انحسار الخطاب الرقمي بين الانفعال العاطفي وغياب العقلانية بقلم الباحث فؤاد زاديكي
انحسار الخطاب الرقمي بين الانفعال العاطفي وغياب العقلانية
بقلم الباحث فؤاد زاديكي
تشهد الساحة الحوارية، ولا سيّما عبر منصّات التواصل الاجتماعي، ظاهرة يستوجب التوقّف عندها بالدراسة والتحليل، إذ يتجلّى فيها بوضوح انحسار معظم ردود الفعل في أطُر العاطفة الجيّاشة والشحن الانفعالي، مع تغليب واضح للتفاعل الوجداني على حساب التوازن المنطقي والنهج العقلاني. إنّ المُقاربة التحليلية لهذه الظاهرة تكشف عن بنية مُركّبة لا يُمكن اختزالها في عامل مُنفرد، بل هي نتاج تداخُل متين بين ضعف الرصيد المعرفي والثقافي، والتنشئة على أنماط تلقينية مَوروثة، فضلًا عن التحجّر الفكري القائم على التعصّب بشتّى أشكاله القومية أو الدينية أو الأيديولوجية.
إنّ غياب أدوات التفكير النقدي لدى قطاع واسع من المشاركين يجعل الفرد عاجزًا عن تفكيك الطرح المقابل أو بناء مُحاجَجة مَنطقية مُتماسكة تسترشد بالدليل والبرهان. وفي لحظة العجز الفكري هذه، يحدث الإزاحة السيكولوجية، فيتحوّل الحوار من مناقشة الأفكار إلى استهداف الأشخاص، ويغدو السّبّ والشّتم وتوزيع الاتهامات الملاذ الأسهل لمن يَفتقر إلى الحجّة والزاد المعرفي. يُضاف إلى ذلك أنّ المنظومات التربوية والاجتماعية التقليدية كرّست لعقود نمطًا يسود فيه التلقين وتسليم الأفكار دون تَمحيص، ممّا أدّى إلى تجذير نهج مُعتاد يرى في الاختلاف تهديدًا للهُوِيّة أو خروجًا عن السائد، بدلًا من كونه إثراءً فكريًّا وإنسانيًّا. وحين يترافق هذا النهج المُعتاد مع تَعصّب فكري يمنح الذات يقينًا مُطلقًا ويُسقِط مشروعيّة الآخر، تُصبح العاطفة الانفعالية هي المُحَرِّك الوحيد للتفاعل.
إنّ للاندفاع العاطفي وتَغليب الانفعال عُيوبًا وآثارًا كارثيّة على الفرد والمجتمع على حدّ سواء. فأُولى هذه العُيُوب تَتجلّى في تفريغ الحوار من قيمته الفكرية وتحويله إلى سجال عقيم ينتهي بالقطيعة والكراهية بدلًا من البناء والتفاهم. كما أنّ الاندفاع غير المحسوب يتسبّب في اتّخاذ مواقف مُتسَرِّعة وصَدمات حوارية يترتّب عليها تَبِعات أخلاقية واجتماعية وخيمة، حيث يغيب استشراف النتائج وما إذا كان القول مقبولًا أو معقولًا. ومن عُيوب هذا السلوك أيضًا أنّه يُكَرِّس حالة من الجهل المُرَكّب، إذ يحرم صاحبه من فرصة التعلم والتطوّر والتصحيح الذاتي، فيظلّ حبيس أفكاره المُغلقة ورهين عواطفه المُتأرجحة. وأخيرًا، يؤدّي تفشّي هذا النمط إلى تلوّث البيئة الرقمية والاجتماعية وشُيُوع خطابات التخوين والإقصاء، ممّا يُضعِف التماسك المجتمعي ويُحوّل دون نُشوء بيئة حوارية صحّية قائمة على احترام العقل والحجّة. إنّ تَجاوُز هذه الأزمة يقتضي إحياء العقلانية وتَرسيخ أدبيات الاختلاف، ليكون المنطق والمَعرفة هما الحاكمين في توجيه السلوك والخطاب.
__________________
fouad.hanna@online.de
|