![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
آزخ ليست عقارًا يُهدم… آزخ ذاكرة شعب وكنيسة وتاريخ لا يُمحى
بقلم الباحث الآزخي فؤاد زاديكي ما يجري اليوم في آزخ، بيث زبداي (إيديل)، في طورعبدين، لم يعد مجرد قضية تتعلق بمخالفات عمرانية أو بإجراءات بلدية عابرة، بل أصبح قضية تمسّ جوهر وجود السريان وذاكرتهم التاريخية وحقهم في بيوتهم وممتلكاتهم وكنائسهم، وتطرح أسئلة خطيرة حول المساواة أمام القانون وحماية التراث الديني والثقافي في تركيا. بحسب ما نشرته صحيفة صابرو (Gazete Sabro)، شهدت آزخ في الأيام الأخيرة إجراءات طالت ممتلكات تعود لعائلات سريانية، إذ جرى ختم أربعة منازل عائلية ودار الضيافة التابعة لكنيسة السيدة العذراء، فيما هُدم فجر السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2026 مبنى ومحل تجاري يعودان إلى أحد أبناء البلدة. وأكدت مؤسسة كنيسة السيدة العذراء أن بعض العقارات التي طالتها الإجراءات ما زالت ملفاتها القانونية قيد المتابعة، وأنها ستواصل الدفاع عن حقوقها بالوسائل القانونية والديمقراطية. وهذه ليست الحادثة الأولى. فقد سبق أن أُغلقت كنيسة السيدة العذراء، وهي من أبرز المعالم السريانية التاريخية في آزخ، كما فرضت بلدية إيديل غرامة إدارية بلغت 1,170,743.24 ليرة تركية على مؤسسة الكنيسة، بحجة مخالفات مرتبطة بالبناء والعمران. وقد أعلنت المؤسسة اعتراضها على الإجراءات واستعدادها للجوء إلى القضاء الإداري، مؤكدة أن القانون يجب أن يطبق على الجميع بصورة متساوية. إننا لا نعترض على تطبيق القانون إذا كان القانون يُطبَّق بعدالة وعلى الجميع دون تمييز. لكن السؤال المشروع الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تتحوّل القوانين والإجراءات العمرانية، في حالة ممتلكات سريانية تاريخية، إلى أدوات هدم وختم وإقصاء، بينما تؤكد الجهات السريانية أن بعض الملفات ما زالت أمام الجهات القانونية المختصة؟ القانون لا يكون قانونًا إذا تحول إلى وسيلة انتقائيّة، والعدالة لا تكون عدالة إذا اختلف معيارها باختلاف هوية صاحب العقار أو انتمائه الديني. إنّ بيوت السريان في آزخ ليست أبنية حديثة ظهرت بالأمس، وكنيسة السيدة العذراء ليست منشأة عادية يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد ملف عمراني. إنّها جزء من تاريخ آزخ وذاكرة أهلها، وشاهد حيّ على وجود سرياني عريق في هذه الأرض. ومن هنا فإنّنا نتساءل بصوت واضح: هل يُراد لآزخ أن تُفرَّغ تدريجيًّا من آخر ما تبقّى فيها من الوجود السرياني؟ وهل تتحوّل الإجراءات الإدارية والعمرانية إلى وسيلة لإغلاق الأبواب أمام أبناء البلدة وقطع ما تبقى من صلتهم ببيوت آبائهم وأجدادهم؟ والأكثر إثارة للتساؤل هو أنّ رئيسة البلدية الحالية، السيدة توركان كاير، سريانية ومن أبناء آزخ نفسها. وقد وصلت إلى رئاسة البلدية في انتخابات 2024 بعد حصولها على أكثر من 71% من الأصوات، ثم انتقلت في آب/أغسطس 2026 إلى حزب العدالة والتنمية، وأصبح الرئيس رجب طيب أردوغان هو من وضع شارة الحزب على كتفها. وهنا لا بد من طرح سؤال صريح، دون تجنٍّ أو إصدار أحكام مُسبقة: ما هو موقف رئيسة البلدية من هذه الإجراءات التي تقع في مدينتها وتمسّ أبناء شعبها وكنيستها؟ هل تؤيد هذه الإجراءات باعتبارها إجراءات عمرانية بحتة؟ أم أنّها تعترض عليها؟ وهل قامت بكلّ ما تستطيع لحماية حقوق العائلات السريانية وممتلكاتها؟ وهل تدخّلت لمنع هدم الممتلكات التي ما زالت ملفّاتها القانونية قيد المتابعة؟ هذه الأسئلة ليست اتهامًا مُسبقًا لأحد، لكنّها حقّ مشروع لأبناء آزخ في أن يعرفوا موقف المسؤول الأول عن بلديتهم. فالانتماء إلى آزخ لا ينبغي أن يكون مجرّد هُوِيّة تُذكَر في المناسبات، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية، ولا سيّما عندما يتعلّق الأمر ببيوت أبناء البلدة وكنائسها وتراثها. ولن ننسى أنّ آزخ ليست مجرّد اسم على الخريطة. إنّها مدينة حملت في تاريخها واحدة من أكثر صفحات الصمود السرياني إثارة في القرن العشرين. ففي أيام السيفو عام 1915، وقفت آزخ في وجه الحصار والتهديد، وصمد رجالها ونساؤها وشبابها، وتحوّلت مقاومتها إلى رمز من رموز التمسك بالأرض والكرامة والوجود. آزخ التي صمدت في وجه الحصار لا يُمكن اختزالها اليوم في جدران تُهدَم أو أبواب تُختم. قد يستطيع أحدهم هدم بيت، لكنّه لا يستطيع هدم الذاكرة التي يحملها ذلك البيت. قد يستطيع إغلاق كنيسة، لكنّه لا يستطيع إغلاق التاريخ الذي شهدته حجارتها. وقد يستطيع إزالة مَتجر أو منزل من مكانه، لكنّه لن يستطيع اقتلاع جذور عائلة عاشت في آزخ جيلاً بعد جيل. ولهذا فإنّنا نرفض بشدّة أيّ إجراء يستهدف مُمتلكات السريان أو أماكن عبادتهم أو تراثهم، إذا كان خارج إطار القانون أو يجري بصورة انتقائية أو قبل استكمال المسارات القضائية والقانونية. كما نطالب السلطات التركية، والبلدية، والجهات القضائية والإدارية المختصة بالشفافية الكاملة في هذه الملفّات، ونُطالب بالكشف عن الأساس القانوني لكلّ قرار هدم أو ختم، وضمان حقّ أصحاب العقارات في الدفاع عن حقوقهم أمام القضاء قبل اتخاذ أي إجراء لا يمكن التراجع عنه. إنّ حماية حقوق السريان في آزخ ليست منّة من أحد، وليست امتيازًا طائفيًّا. إنّها مسألة مواطنة وحقوق ملكية وحرية دينية وحماية للتراث الثقافي. ومن المؤلم أن يرى أبناء آزخ، في الوطن والمهجر، أنّ البيوت التي تركها أجدادهم والكنيسة التي بقيت شاهدة على تاريخهم تواجه اليوم إجراءات تثير القلق والخوف على ما تبقى من هذا الإرث. وإذا كانت تركيا تريد أن تقدّم نفسها أمام العالم باعتبارها دولة قانون ومواطنة ومؤسّسات، فإنّ اختبار دولة القانون يبدأ عندما يتعلّق الأمر بحقوق الأقليات، لا عندما تكون القضية مريحة للسلطة. أمّا نحن أبناء آزخ، فلن نقبل أن تتحوّل قضيتنا إلى همس خلف الأبواب. سنرفع أصواتنا بالوسائل السلمية والقانونية والديمقراطية، وسنطالب بحقوق أهلنا، وسنحمي ذاكرتنا، وسنرفض كل محاولة لاقتلاع ما تبقّى من آثار الوجود السرياني الآزخي. لا نريد امتيازًا على حساب أحد، بل نريد عدالة للجميع. لا نريد صراعًا مع أحد، بل نريد احترامًا لحقوقنا. لا نريد هدمًا وانتقامًا، بل نريد قانونًا يحمي الجميع. آزخ ليست مُلكًا لحزب، ولا لبلدية، ولا لحكومة، ولا لسلطة عابرة. آزخ ذاكرة شعب. آزخ أرض الآباء والأجداد. آزخ كنائس وبيوت وأسماء وحكايات. وآزخ ستبقى حاضرة في ذاكرة السريان مهما حاولت الأيام والسلطات تغيير ملامحها. وإن كانت حجارة آزخ قد صمدت أمام السيف والنار والحصار، فإنّ ذاكرة أهلها ستصمد أيضًا أمام الهدم والإغلاق والنسيان. لن تُمحى آزخ من التاريخ، لأنّ آزخ نفسها جزء من التاريخ. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|