بين جمود التقديس وشجاعة التجديد: نقد الموروث ضرورة لبناء الحاضر بقلم: فؤاد زاديكي
بين جمود التقديس وشجاعة التجديد: نقد الموروث ضرورة لبناء الحاضر
بقلم: فؤاد زاديكي
تتقاطع في مسيرة الفكر الإنساني جدلية أزلية بين الاتّكاء على القديم والإبقاء عليه كما هو، وبين نقد الموروث ومراجعته لتخليصه من العيوب والنواقص. فمن جهة، يميل سلوك المحافظة إلى تثبيت القديم وخشيته من كلّ تغيير أو تطوير، بدافع الخوف من المجهول أو حرصًا على صون الهُوِيّة والشعور بالاستقرار، وهي حالة لها إيجابيتها الجزئية في حفظ الجذور وتوفير مرجعيّة تاريخية تعصم المجتمع من الضياع أو الانبتات التامّ عن جذوره. غير أنّ السلبية الكبرى لهذا المنهج تتجلّى في الوقوع في الجمود والأحافير الفكرية، حيث يُصبح تقديس الماضي سدًّا مانعًا أمام حيويّة العقل، ويُسقط الواقع في انفصال حادّ عن معطيات عصره، إذ إنّ القديم صنيعة ظروفه التاريخية والمكانية الخاصّة التي قد لا تتناسب بالضرورة مع متطلّبات الراهن.
وفي المقابل، يتجلّى الطرح التقدمي الذي يرى في نقد الماضي ومراجعته السلوك الأنسب والطريقة المثلى لتصليح الاعوجاج والتخلّص من شوائبه. وتكمن القوة والإيجابية في هذا المنهج النقدي في كونه لا يستهدف الهدم أو الإلغاء، بل يعمل على "الغربلة والتنقية"، فهو يقرأ التراث بعين فاحصة وموضوعية ليتّخذ من الصالح والأصيل منه ركيزة للانطلاق، ويتخلّى عن الزوائد والنواقص التي فرضتها أزمنة غابرة. إنّ النقد والتصحيح يشكّلان ضرورة حتمية لمواكبة مسيرة الحياة وما تفرضه من مستجدّات، إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش في القرن الحادي والعشرين بتفكير وعقلية القرون السابقة، فلكلّ مرحلة تاريخية وتطوّر حياتي مستوجباته ومتطلّباته التي لا يجوز إغفالها أو القفز من فوقها.
إنّ الفعل الحضاري الرشيد يكمن في الجمع بين شجاعة التقييم واستمرارية الهُوِيّة، فالأدب والفكر والعمران لا تحافظ على خلودها بالجمود والثبات، بل بقابليتها المستمرّة للتطوير والتكيّف، ليبقى الموروث خادمًا للحاضر وموجّهًا للمستقبل، لا سجنًا يُحاصر حركة الإنسان و يُعيق تقدّمه.
__________________
fouad.hanna@online.de
|