Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم اليوم, 03:28 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,431
افتراضي الاختلاف بين إثبات الذات وإثراء الحياة بقلم: فؤاد زاديكي هل يمكن القول إنّ الرأي وا

الاختلاف بين إثبات الذات وإثراء الحياة

بقلم: فؤاد زاديكي

هل يمكن القول إنّ الرأي والرأي الآخر يقفان في حالة صراع دائم لإثبات الذات، أم أنّ ما يبدو اختلافًا بينهما ليس في جوهره سوى محاولة من أحدهما لرفض الآخر خوفًا على ذاته وحرصًا على حماية قناعاته من الاهتزاز؟ أم لعلّ الأمر أبعد من ذلك، بحيث يكون الاختلاف في الرأي صورة من صور التنوّع الإنساني الذي يمنح الحياة رونقها، ويضفي على الوجود غناه وجماله؟

لعلّ هذه الاحتمالات جميعها حاضرة في سلوك الإنسان ومواقفه. فحين يتحوّل الرأي إلى جزء لا يتجزأ من هوية صاحبه، يصبح الدفاع عنه دفاعًا عن الذات، ويغدو قبول الرأي الآخر وكأنّه اعتراف بالهزيمة أو تنازل عن المكانة. عندئذٍ لا يعود الحوار بحثًا عن الحقيقة، بل يتحوّل إلى ساحة للصراع، يسعى فيها كلّ طرف إلى إثبات وجوده من خلال انتصار رأيه على رأي الآخر، وكأنّ الحقيقة لا تتّسع إلا لواحد منهما.

وقد يكون رفض الرأي الآخر، في بعض الأحيان، تعبيرًا عن الخوف أكثر منه تعبيرًا عن القوّة؛ فالإنسان الذي يشعر بالاطمئنان إلى ذاته لا يرى في اختلاف الآخرين تهديدًا لوجوده، ولا يعتبر تعدّد وجهات النظر انتقاصًا من قناعاته. أمّا من لم يتصالح مع أفكاره، فقد يجد في كلّ رأي مخالف خطرًا يستدعي المواجهة والرفض والإقصاء، بدلًا من أن يراه فرصة للتأمل وإعادة النظر.

غير أنّ الاختلاف، في جوهره، ليس بالضرورة صراعًا، ولا ينبغي أن يكون مقدّمة لإلغاء أحد الطرفين. إنّه قد يكون أحد أجمل مظاهر التنوّع الإنساني، إذ يرى كلّ إنسان الحياة من زاوية مختلفة، ويحمل معه تجربة ومعرفة ورؤية قد تغيب عن الآخر. وربّما كان كلّ رأي يضيء جانبًا من الحقيقة، فيما تبقى جوانب أخرى بحاجة إلى من يكشفها. ومن هنا، قد لا يكون اللقاء بين رأيين مختلفين مناسبة لانتصار أحدهما، بل فرصة لولادة رؤية أكثر نضجًا واتّساعًا، لم يكن لأيّ منهما أن يبلغها منفردًا.

إنّ التعايش بين الآراء لا يعني التخلّي عن القناعات أو المساومة على المبادئ، بل يعني الاعتراف بحقّ الآخر في التفكير والتعبير والاختلاف، ما دام هذا الاختلاف لا يتحوّل إلى وسيلة لسلب الآخرين حقوقهم أو إنكار كرامتهم. فليس من الضروري أن نتشابه كي نتعايش، ولا أن نتّفق كي نحترم بعضنا بعضًا.

وقد تكون الحياة، بما تحمله من تجارب وتحولات ونتائج، الميدان الأوسع الذي تُختبر فيه الأفكار وتنكشف من خلاله قيمتها وقدرتها على الاستمرار والعطاء. لكنّ الزمن وحده ليس حكمًا نهائيًا على صواب الأفكار، فقد تستمرّ أفكار لا تخدم الإنسان، وقد تُهمَّش أفكار أخرى قبل أن تجد فرصتها في الظهور. لذلك، ينبغي ألّا يكون معيارنا في المفاضلة بين الآراء مجرّد بقائها أو انتشارها، بل مدى اقترابها من الحقيقة، وقدرتها على معالجة المشكلات، واحترامها للإنسان، وإسهامها في تطوير الحياة وتحسين شروطها.

وليس من الضروري أن ينتهي الاختلاف ببقاء رأي واحد واختفاء الآخر؛ فقد يتطوّر الرأيان معًا، أو يتراجع كلّ منهما عن بعض جوانبه، فتتشكّل من تفاعلهما رؤية جديدة أكثر شمولًا وعمقًا. فالفكرة التي تقبل المراجعة لا تفقد قيمتها، بل تكتسب فرصة للنمو، والإنسان الذي يمتلك شجاعة مراجعة رأيه لا ينتقص من ذاته، بل يثبت قدرته على تجاوز حدود ما يعرفه إلى آفاق أرحب مما يمكن أن يعرفه.

ولعلّ ما نحتاج إليه حقًّا هو أن نتحرّر من فكرة أنّ انتصار أحدنا لا بدّ أن يكون هزيمة للآخر، وأن ندرك أنّ قيمة الرأي لا تُقاس بقدرته على إسكات الآراء المخالفة، بل بما يقدّمه للإنسان والحياة من نفع وإضافة وتطوير. فليس مطلوبًا منّي أن أتخلّى عن رأيي كي أعترف بحقّك في رأيك، وليس مطلوبًا منك أن تكون مخطئًا كي أكون أنا على صواب.

إنّ أجمل ما يمكن أن يبلغه الحوار الإنساني هو أن نتنافس بالأفكار من أجل الأفضل، لا أن نتنافس على إقصاء أصحابها؛ وأن نجعل من الاختلاف جسرًا للتلاقي، لا جدارًا للفصل؛ وأن نمنح الحقيقة فرصة لأن تتجلّى من خلال تعدّد الرؤى، بدلًا من أن نحاصرها داخل قناعة واحدة ونظنّ أنّنا امتلكناها إلى الأبد.

فالحياة لا تحتاج إلى رأي واحد يتسيّدها، بقدر ما تحتاج إلى عقول متعدّدة تتفاعل وتتجادل وتتعلّم، وتضع اختلافاتها في خدمة غاية أسمى، هي الارتقاء بالإنسان والإنسانية. وعندها يصبح الرأي والرأي الآخر وجهين لتنوّع لا يُفقر الحياة، بل يثريها، ولا يقوم على جثّة أحدهما، بل على حقّ كليهما في الوجود والمساهمة والعطاء.

فليس أعظم انتصار للرأي أن يقضي على الرأي الآخر، بل أن يلتقي به في مساحة من الوعي، فيخرج كلاهما أكثر نضجًا، وتخرج الحياة منهما أكثر غنىً واتّساعًا.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:27 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke