Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الأزخيني > ازخ تركيا > من تاريخ البلدة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-02-2026, 05:48 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,824
افتراضي # الدسيسة والخداع — فصل من فصول الألم المكر يرتدي عباءة الحكمة في اليوم الثامن من

# الدسيسة والخداع — فصل من فصول الألم



المكر يرتدي عباءة الحكمة

في اليوم الثامن من ذلك الشهر الثقيل، حين كانت الجبال لا تزال تحمل في صدرها ذكرى دماء أسفس الطازجة، بدأ القومندان يحرّك خيوط مؤامرته الجديدة بيد حذرة وعقل بارد. كان يعلم أنٌ الفزع وحده لا يكفي لإخضاع هؤلاء القوم، فلجأ إلى سلاح آخر لا يقلّ فتكًا عن السيف، هو سلاح الترهيب المُقنَّع بلباس الرعاية.

أرسل رسله إلى قريتَي كوفخ وكازخان، تينك القريتين الجاثمتين على بُعد ساعة ونصف إلى الشرق من آزخ، يأمر أهلهما بالعودة إلى بيوتهم والانصراف إلى حصاد محاصيلهم، مُغدِقًا عليهم وعوده الزائفة بالحماية والأمان. غير أنّ أهل تلك القرى كانوا قد رأوا ما حلّ بأسفس، وكانت رائحة دخانها لا تزال تملأ أنوفهم، فلم تَنْطلِ عليهم تلك الوعود، وآثروا البقاء في مكانهم لا يتزحزحون.

فلما رأى القومندان عنادهم وإصرارهم، خلع عنه قناع اللطف وأظهر وجهه الحقيقي، هاتفًا بصوت يقطر تهديدًا: "إنْ لم تذهبوا من هنا فسأكتّفكم جميعًا بسلسلة واحدة وأرسلكم إلى الجزيرة!" وكانت الجزيرة في مخيّلة أهل تلك الجبال مكانًا بعيدًا مجهولًا، يُرسَل إليه من لا يُراد له أن يعود. فوجدوا أنفسهم أمام خيارَين كلاهما مرٌّ: إمّا العودة إلى قراهم حيث تتربّص بهم العشائر المسلّحة، وإمُا الترحيل إلى المجهول مكبّلين بالأغلال. فاختاروا ما يبدو أهون الشرّين، وعادوا إلى قراهم متوكّلين على الله، مُسلِّمين أمرهم لقدر لا يملكون ردّه.

حين تتحرك العشائر كالريح

لكنّ اليوم التالي لم يمهلهم كثيرًا قبل أن يكشف عن وجهه الكالح. فلما ذاعت أخبار الدسيسة وانتشرت بين أهالي إسفس المحيطين بالمنطقة، أخذهم الرعب وأسرع بهم خطاهم نحو آزخ من جديد، كأنّ الأرض كانت تحترق من تحت أقدامهم. وقد هاجت العشائر المسلّحة من كلّ جانب، وغدا الوضع كمرجل يغلي على نار، لا يملك أحد إطفاءه.

وحين حاول القومندان أن يأمر الفارّين بالرجوع إلى قراهم، وقف في وجهه أهل آزخ كسدٍّ منيع، صارخين بصوت واحد: "لن يعود هؤلاء إلى حتفهم المحقّق، وأنت لن تجني من إعادتهم شيئًا سوى دمائهم، فما الذي يعنيك من خسارة حصادهم؟ أتريد أن يُذبحوا ليسهل عليك التخلّص منّا جميعاً؟" وكانت تلك الكلمات كالصخرة تُلقى في وجه التيار، تُوقفه للحظة وإن كانت لا تُغيّر مساره.

في الوقت ذاته، كان أهالي قرية بابقا يتحرّكون بهدوء وحزم، ينقلون أموالهم وذخيرتهم وما يملكون إلى آزخ، بينما بقي رجالهم خلفهم حرّاسًا على البيوت، يراقبون الأفق القلق ويرصدون كلّ حركة وكلّ صوت في الليل الموحش.

الخداع يرتدي ثوب العدالة

رأى القومندان أنّ طريق القوة المباشرة قد أوصده أهل آزخ في وجهه، فلجأ إلى طريق أكثر التواءً وأشدّ خبثًا، هو طريق التمثيل والخداع. فأرسل إلى الجزيرة يطلب ملازمًا يُدعى أحمد نازو، في مسرحية هزلية مؤلمة تدّعي معاقبة الأكراد الذين اعتدوا على المسيحيين. وجاء الملازم مع عشرين رجلًا، في صورة المنقذ الذي يُسرع لنجدة المظلومين، بينما كان في حقيقة أمره رسولَ مؤامرة جديدة تُضاف إلى سلسلة المؤامرات الطويلة.

وكان أحمد نازو رجلًا ماهرًا في فنون الكذب والإقناع، يُجيد نسج الحكايا وتلوين الأكاذيب بألوان الحقيقة. فذهب إلى إليس جلوه، زعيم العشائر، وأخذ يُلقي في أذنيه سمّ الإغراء مُزيَّنًا بريشة الحكمة، مُقنعًا إيّاه بأن تخريب إسفس وذبح أهلها كان ناقصًا، وأنُ ما تبقّى من الأمر يحتاج إلى يد أقوى وخطة أمكر. ووجد فيه ضالّته، فكان إليس جلوه كالصخرة التي ينحتها الماء بالصبر والإصرار حتى ينفذ من جوفها.

ولمّا اطمأنّ الملازم إلى إقناعه، توجّه برسالته الملتوية إلى مجد الدين آغا الأومركي، يُعاتبه في ظاهر الأمر ويكيل له التأنيب والتوبيخ: "لقد أسأتَ في ما فعلتَ، فالدولة لم ترسلك لتجمع المسيحيين في مكان واحد وتنبّههم من غفلتهم، بل أرسلتك لتفرّقهم وتُضعفهم وتذبح نفوسهم وهم مشتّتون. وقد أفسدتَ بجمعهم ما كانت الدولة تخطّط له بعناية." ثم أكمل الغواية بقوله: "وإن أردتَ أن تُصلح ما أفسدتَ، فاذهبْ إليهم بهدايا من المنهوبات، بقطيع من الغنم وثلاثين حيوانًا من صغار البقر وبعض الأواني النحاسية وبشيء من الأكرشة، وشيئًا من المنهوبات وأعطها لهم (النصاري) لإقناعهم بحسن نيّة الدولة، حتى ينعموا بالطمأنينة ويغفلوا عمّا يُدبَّر لهم وبد ذلك ندبّر لهم تدبيرًا آخر."

الذئب يرعى الغنم

وهكذا بدأ الفصل الأكثر مكرًا وأشدّ إيلامًا من كل ما سبقه. ذهب الملعون أحمد نازو إلى أهالي أسفس المنكوبين، وأمضى بينهم أسبوعًا كاملًا يُدار في فلكهم كالراعي الحاني، يُلقي عليهم من أقوال رئيسه ووعوده ما يكفي لتهدئة الخواطر وتبديد المخاوف. وجاء معه ببعض ما سُلب منهم، قطعةً من هنا وشيئًا من هناك، وسلّمها إليهم بيد ممدودة وابتسامة عريضة، ثم أقسم لهم أيمانًا غليظة بأنّ الدولة أمينة وفيّة، وأنّها لن تتخلّى عن رعاياها المسيحيين ما داموا يُحسنون الطاعة ويُحكمون الثقة.

وبينما كانت تلك الوعود الكاذبة تتناثر كزهور مسمومةً على أهالي إسفس المنهكين، كان أحمد نازو في الوقت ذاته يجوب المناطق الكردية المجاورة جوبانًا حثيثًا، يلتقي بزعماء العشائر ويُغريهم بالحملة على آزخ، واعدًا إيّاهم بالغنائم والمكاسب والنفوذ. وكان معه سبعون رجلًا مسلّحّا تمركزوا في القصور والمواقع الحصينة المشرفة على المنطقة، كشبكة العنكبوت تنسج خيوطها في صمت قبل أن تنقضّ على فريستها.

شعر المسيحيون بهذا الخطر المحدق وأدركوا أنّ الأمور لا تسير في اتجاه طيّب، لكنّهم آثروا الصبر والتريّث، عالمين بمحدودية ما يملكونه من سلاح وعتاد في مواجهة عدو يحظى بدعم الدولة وقوّتها، فلم يتجرؤوا على المقاومة العلنية، واكتفوا بمراقبة الأحداث بعيون ساهرة وقلوب تدعو الله أنْ يفرّج ما اشتدّ من الكرب.

الحرب الناعمة بالأرزاق والوعود

لم يكتفِ المنافق أحمد نازو بما فعله من مكائد، بل راح يُجيّش سلاحًا جديدًا لا يُرى ولا يُسمع، هو سلاح الإحسان المسموم. بدأ بتوزيع الأرزاق اليومية على أهالي إسفس المنهوبين، يُقدّمها لهم في صورة كرم الدولة وحنانها على رعاياها المنكوبين. وكان هدفه الحقيقي من وراء ذلك أن يُطيل إقامتهم في المنطقة بعيدًا عن ملاذاتهم الآمنة، ريثما تنضج الخطة ويَحين وقت التنفيذ.

وزاد على ذلك بأن أخذ يُمنّيهم بالعودة إلى قراهم، واعدًا كلّ واحد منهم بأن يُعيد بناء بيته الذي أُحرق ويستأنف حياته التي انقطعت. كان يقول لهم بلسان معسول: "الدولة ترحمكم وتعطف عليكم، وستُعوّضكم عمّا لحق بكم من خسائر. اذهبوا إلى قراكم قبل أن يأتي الشتاء ويُقفل الطرق، وابنوا بيوتكم واحرثوا أراضيكم، وستجدون الدولة عونًا لكم في كل خطوة."
وكان في ذلك كلّه كالصيّاد الذي يُلقي الطُّعم في الماء الهادئ ثم ينتظر بصبر الصيّاد الحاذق.

لكنّ الزمن كان يمضي والخطة لا تُجدي ولا تُثمر، فأهل آزخ لم يكونوا سذّجًا يُصدّقون كلّ ما يُقال لهم، وكانت ذاكرتهم تحمل من الجراح ما يجعلها حَذرةً يقظة لا تهجع.

حين يفشل المكر يُستدعَى المكرُ الأكبرُ

فلمّا رأى المدير أنّ سياسته لم تُحقّق مآربها، وأن أهل آزخ لا يزالون متماسكين كسُور منيع، قرّر الانتقال إلى ورقة جديدة من أوراقه الملطّخة. فأرسل رسوله إلى حسن بركات، ذلك الزعيم النافذ الذي تُطيعه عشائر الطور والدشت طاعةَ الجنود لقائدهم. وكان لحسن بركات تاريخ مع أهل آزخ، إذ كان قد قطع معهم عهودًا ومواثيق في مناسبات سابقة، وكانت تلك العهود تحمي آزخ من هجمات القبائل الكردية المحيطة بها.

فجاء حسن بركات إلى آزخ محمولًا على أجنحة الكلمات المعسولة والوعود البرّاقة، يحمل في ظاهره عهد الصداقة القديمة، وفي باطنه ما أوحت به إليه نفسه من أهداف ومطامع. وكان المدير يعلم أنّ إقناع رجل بمثل هذه المكانة والنفوذ يساوي كثيرًا في معادلة المؤامرة، فإن نجح في استمالته فقد فتح ثغرةً في سور آزخ لن يسهل ردمها.

وهكذا كانت الدسيسة تنسج خيوطها من كلّ اتجاه، والمؤامرة تُحكم طوقها شيئًا فشيئًا، والقوم يقاومون بكلّ ما أوتُوا من صبر وذكاء وإيمان، في مواجهة عدو لا يعرف التعب، ولا يخجل من الكذب، ولا يتورّع عن استخدام كل سلاح مهما اتّسخت به اليد.
كانت آزخ تقف وحيدة في مهبّ العواصف، تتلقّى الضربة تلو الضربة، وتنزفُ دمًا من جراحٍ لا تُعلِن عنها، وتُرسل إلى السماء دعواتٍ لا تنقطع أن يأتي النصر أو يأتي الفرج. وكان الجبل الابيض الصامت حولها يشهد ويصمت، كما يشهد التاريخ دائماً على مآسي بحق الضعفاء، ولا يقول شيئاً.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:45 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke