![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
نهاية الصفحة الثانية من اليوميات
الخيانة تُضيء بالنار — آزخ في مواجهة القدر دم لم يجفّ وعهد لم يُحترم كان عام 1901 قد حفر في ذاكرة المنطقة جرحًا لم يندمل، حين سقط والد حسن بركات وعدد من رجاله في معركة ضارية نشبت بين عشيرته وبين كواجر الميران عند قرية دويج. وقد كان لأهل آزخ يدٌ في تلك الواقعة، فاختلطت الدماء وتشابكت الثارات، وصار بين الطرفين ذلك الرابط الغريب الذي يجمع بين الدم المشترك والحقد المتبادل. وفي عُرف أهل الجبال، الدم يستدعي الدم، والثأر لا يُقبر حتى يُستوفى. لكن المدير، ذلك الرجل الذي أتقن فن توظيف الجراح وتحويل المآسي إلى أدوات، رأى في حسن بركات وفي ثأره القديم فرصةً ذهبية لا تُعوَّض. فاستدعاه إليه وأوحى إليه بما أراد، مُستخدمًا إيّاه كما يستخدم الصيّاد طُعمه، لا يُبالي بمصيره بعد أن يؤدّي غرضه. وكان هدفه من استقدام بركات إلى آزخ أن يزن من خلاله قوّة أهلها وحجم ما يملكونه من سلاح وعتاد، قبل أن يُحْكِمَ الخناق عليهم ويُطبق المصيدة. الكلمة التي خانت صاحبها حين وصل حسن بركات إلى آزخ وأفضى إليه المدير بتعليماته، أبدى في البداية شيئًا يُشبه التحفّظ. فقال له بلهجة من يُفرّق بين الضحايا: "إنّ الأمر الذي جئتَ به هو في حق الأرمن والبروتستانت والكاثوليك، أمُا آزخ فأهلها من السريان الأقحاح، وهم غير هؤلاء." وكأنّه بذلك يرسم حدودًا بين من يستحقّ القتل ومن لا يستحقّه، أو ربّما كان يساوم على الثمن قبل أن يُسلّم البضاعة. غير أنّ المدير لم يكن رجلًا يقبل التحفّظات، فردّ عليه بحزم لا يقبل الجدل: "دَعْ عنك هذا التمييز، فالسريان كغيرهم، وحيث تخشى الحكومة من الفوضى والثورة، فالطريق الأسلم هو السياسة والحكمة لا الصخب والعجلة." وعند هذه النقطة، انكسر ما تبقّى من تردّد في نفس بركات، فخان كلّ عهد قطعه مع أهل آزخ، وكلّ يمين أقسمه على حماية جيرانه الذين شاركوه أكثر من لحظة في مواجهة الأعداء المشتركين. خانهم لا لأنّه كان مضطرًّا، بل لأنّ المصلحة كانت أقوى في تلك اللحظة من الشرف. مناورة الأسلحة — حين يُحسب الخطر بدقة المنطق علم أهل آزخ بما يُدبَّر لهم، فلم يستسلموا للذعر ولم يُسلّموا أمرهم للقدر دون تفكير. بل أعملوا عقولهم في الأمر واتّخذوا قرارًا بالغ الدقة يدلّ على عمق خبرتهم السياسية وحنكتهم العسكرية. فحين أرادت الحكومة أن تُرسل معهم حامية من الجنود الأكراد بذريعة الحماية، لم يرفضوا الأمر رفضًا مطلقًا لئلا يُعدّ ذلك عصيانًا، لكنّهم اشترطوا ألّا يزيد عدد هؤلاء الجنود على عشرين نفرًا فحسب. وكان في ذلك حسابٌ دقيق كحسابات الشطرنج، فقد قالوا في ما بينهم: إن خانونا في يوم المعركة فخسارتنا منهم محدودة وإن أُبيدوا جميعًا. وإن حدث الأسوأ فسيكون انشغال الأكراد بالهجوم فرصتنا لاستخراج أسلحتنا المدفونة والدفاع عن أنفسنا. وزاد على ذلك أنُ وجود هؤلاء الجنود كان سيُوفّر لهم حجّةً أمام الدولة حين يسألونهم عن السلاح، إذ يستطيعون القول: "هؤلاء هم الذين حمونا بسلاحهم، فلماذا تسألوننا؟" كان أهل آزخ يفكّرون في آنٍ واحد بعقل المحارب وعقل المحامي. الغياب الذي يُوقّع أحكام الإعدام أما حسن بركات فبعد أن أدّى مهمّته في جمع المعلومات ووزن القوى، توجّه إلى الجزيرة ليُقرّر هناك، بعيدًا عن المسرح، ما كان قد خطّط له مع أوامر الولاية. وكان في ذهابه إلى الجزيرة رسالة ضمنية واضحة لمن يُحسن القراءة: أنّه يريد أن يكون بعيدًا حين تقع المجزرة، لئلا يتلوّث بدم مباشر، ولكي يستطيع لاحقًا أن يقول بوجه مُصمت: "لم أكنْ هناك." وقبل مغادرته، أرسل ابن أخيه ياسين في مهمة سرية محدّدة الأهداف، هي جمع عشائر المنطقة وتحريكها نحو آزخ. وكان في اختياره لابن أخيه بدلًا من رجاله المباشرين نوعٌ من التحوّط السياسي، كأنُه يقول: "هذا ليس أنا، هذا ولد عائلتي." وهكذا كانت الخيانة تعمل بوكالة، والجريمة تُنفَّذ بالنيابة. لكنُ أهل آزخ كانوا يعلمون، وكانوا يُراقبون كلّ خطوة وكلّ حركة. فلما أحسّوا بتحرّك العشائر واقتراب الخطر، أرسلوا إلى المدير يُعلمونه بوجود السلاح عندهم، مستندين إلى إذنه السابق بالدفاع عن النفس. وكان المدير قد أقسم لهم بيمين غليظة أنّه سيكون معهم ظهيرًا حتى الموت، فأذن لهم بإشهار السلاح ظاهريًا، وهو في سرّه يعدّ الأيام انتظارًا لاندلاع الشرارة. العشرون من حزيران — حين تحوّل الجبل إلى معسكر في العشرين من حزيران عام 1915، ذلك العام الذي صار في ذاكرة الشرق مرادفًا للدم والنار والرماد، تحرّكت القبائل من مركز الجزيرة وما حولها. تجمّعوا ببطء ثم بسرعة متزايدة كما يتجمّع الغيم قبل العاصفة، حتى بلغ عددهم نحو ألف مقاتل اجتمعوا في قرية ريزوك وكأنّها خيّمت عليها كلُ طيور الجوارح في وقت واحد. وفي الوقت ذاته، كان المدير يُجهّز خمسين مقاتلًا آخرين للعمليات الداخلية، أولئك الذين سيكونون الخنجر في الظهر بينما تكون القبائل السيف في الوجه. وكان التنسيق محكمًا والتوقيت مدروسًا بعناية كما يُدرس الصيّاد المتمرّس مسالك فريسته. ونحو الغروب، حين يميل الضوء ويختلط الظلّ بالنور وتضعف الرؤية ويشتدّ الوجل، تحرّكت تلك الجحافل نحو قرية بابقّا، وهناك اندلع القتال بين المهاجمين وبين حامية القرية الصغيرة التي كانت تُدافع عن أرضها بما تملك، لكنّ التفاوت في العدد والعدة كان فاضحًا كالشمس في رابعة النهار. وبعد مقاومة لم يكن بمقدورها أن تطول في مواجهة مثل هذه الأعداد الزاحفة، أدركت الحامية أنّ الثبات في مواجهة هذا السيل الجارف لن يعني غير الفناء المحقّق، فتقهقرت نحو آزخ تحمل جراحها وأخبارها الثقيلة. لغة النار في الليل وحين سيطر المهاجمون على القرية المنكوبة وأمسكوا بزمام الموقف، لجأوا إلى لغة قديمة يعرفها أهل الجبال منذ فجر التاريخ، لغة لا تحتاج إلى كلمات ولا إلى رسل، هي لغة النار في الليل. فأوقدوا نيرانًا كبيرة على قصور المنطقة، تلك الإشارات المتّفق عليها سلفًا، وكانت كلّ شعلة تحمل في لسانها رسالة واحدة واضحة لمن يعرف: "انتصرنا هنا، فهلمّوا إلينا." ولم يكتفوا بذلك، بل صعدوا إلى تلٍّ مرتفع يُرى من مسافات بعيدة وأوقدوا عليه نارًا أخرى أكبر وأعلى، لتكون منارةً تجمع من كلّ الاتجاهات. فكانت تلك النيران تُضيء السماء الداكنة وكأنّها تقول للجبال والوديان والسهول: "هذا هو الموعد، وهذا هو المكان، وغداً يكون ما اتّفقنا عليه." وكانت الرسالة موجّهة إلى كلّ عشائر الطور والدّشت والعرب ومن يسكنون وراء النهر، أن يكونوا في الصباح حاضرين عند آزخ، وفق المواعيد التي رُسمت والخطط التي نُسجت في الخفاء على مدى أسابيع. آزخ تترقّب في الظلام وكانت آزخ تنظر إلى تلك النيران البعيدة من وراء أسوارها وجدرانها الحجرية العتيقة، وأهلها يعلمون ما تعنيه تلك الإشارات المتطايرة في الليل. كانوا يعلمون أنّ الفجر القادم لن يكون كسائر الفجور، وأنّ الصباح الذي ينتظرهم ليس صباحًا للحصاد والصلاة والأطفال، بل صباحًا للحديد والنار والاختيار الأخير. لكنّ آزخ لم تكن تنتظر مستسلمة. كانت تُعدّ ما استطاعت من عدّة، وتُحكم ما قدرت من تحصينات، وتُرسل ما تملك من دعوات إلى السماء أن تُمسك بيدها في هذا الليل الطويل وما بعده من ليالٍ. وكان الجبل الأبيض الصامت يحتضنها من كلّ جانب، شاهدًا صخريًا على ما كان وما سيكون، محتفظًا في أعماقه بأسرار أجيال متعاقبة من الناس الذين عاشوا على ظهره وعشقوا هواءه وصلّوا لإلههم تحت سمائه، ولم يكونوا يطلبون من الدنيا سوى أن تتركهم يحيون بسلام. وظلّت تلك النيران المتراقصة في أفق الليل البعيد صورةً لا تُمحى من ذاكرة من رآها، تلك النيران التي لم تكن تُضيء الطريق بل كانت تُعلن الحرب، ولم تكن تدفئ المقرورين بل كانت تستدعي الجحافل. وبين تلك الجبال الصامتة والسماء المحمّلة بثقل ما كان يُدبَّر، كانت آزخ تقف كشمعة في مهبّ العاصفة، لا تعلم إن كانت ستبقى مضيئةً حتى الفجر. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|