![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الجمعة الدامية في أسفس
في السادس من حزيران، حين كانت الشمس تميل نحو المغيب وتلقي بظلالها الذهبية على تلال آزخ الصامتة، أصدر المدير أمره القاتل إلى مجد الدين آغا الأومركي، ذلك الرجل الذي كان يُحسن إخفاء نيّاته وراء ابتسامة باردة كحجارة الجبل. كان الأمر واضحًا في مضمونه، مُضمَّرًا في ألفاظه: اجمع عشيرتك، واستقدم معك عشيرتي العليكان والدوركان، وتحرّك نحو قرية أسفس، تلك القرية الوادعة الرابضة في شمال آزخ على بُعد ساعة ونصف من مسير الأقدام. وهي قرية عريقة في القدم أهلها من السريان الارثوذكس. لم يتأخّر مجد الدين آغا، فجمع رجاله وحشد قواته، وسار بهم كما تسير السحب السوداء حين تزحف على الأفق قبيل العاصفة. وما إن أشرفت الشمس على الأفول حتى كانت القرية محاصرةً من كلّ جهاتها، مُطوَّقةً كطير في شرك، لا منفذ منها ولا مخرج. وقف المسيحيون في مواجهة هذا الزّحف بما أوتوا من شجاعة، فأشهروا سلاحهم في وجه القادمين، مؤكدين أن أسفس لن تُستسلم بلا ثمن. غير أنّ في أسفس رجالًا يعرفون معنى الدفاع عن الأرض والشرف، إذ كانت القرية تضمّ في أحشائها نحو مئتي بيت، وفيها من الرجال الأشداء ما يكفي لردّ الغارات وصدّ المعتدين. وما إن علموا بالخطر المحدق حتى أرسلوا طلب النجدة إلى آزخ، تلك المدينة الحصينة التي كانت تمثّل آخر معاقل الأمل في تلك الجبال القاسية. وسمعت آزخ النداء، فبادر قائد العَشَرة الياس جلبي المارديني إلى تجميع أنفاره والتحرّك على وجه السرعة نحو أسفس، حاملًا في صدره جذوةً من الإباء وعزمًا على الدفاع عن أبناء ملّته ودينه. لكنّ القدر كان قد نسج خيوطه بيد أخرى، وكان المكر يسبق الشجاعة في هذه المعركة غير المتكافئة. فحين وصل الياس جلبي إلى أسفس ورأى المسيحيون في وصوله أملاً ونجاةً، آثروا إخفاء أسلحتهم ظنًّا منهم أنّ وجود العسكر سيكون درعًا يقيهم شرّ المعتدين، وأنّ الدولة ستكون عونًا لهم لا سيفًا مسلّطًا على رقابهم. وهكذا، بفعل حسن النية وسذاجة الثقة، وضعوا أرواحهم في كفّ الريح. لكنّ اللعين لم يكن قد جاء حاملًا للسلام، بل كان يحمل في طيّات عباءته مؤامرةً مُحكمة الحياكة. فما إنْ وطأت قدماه أرض القرية حتى استولى على كنيسة مار دودو، تلك الكنيسة العتيقة التي كانت تقف شامخةً عند مدخل القرية كحارس صامت على ذاكرة الأجداد. ثم أوفد رسوله المُختار محمود المارديني إلى مجد الدين آغا يحمل إليه رسالةً لا تختلف في جوهرها عن أوامر الإبادة: *"ادخل القرية بقوّاتك، واقتلْ وانهبْ بكلّ حرية. فإن أظهروا سلاحهم فقد وُجِدوا خائنين للدولة، وإن لم يُظهروه فلا تتركوا منهم أحدًا."* كان الفخ قد انطبق. وكانت الدولة التي يلجأ إليها المظلومون قد صارت هي نفسها الجلاّد. انهالت العشائر على القرية من كلّ جانب كموج البحر حين يثور في ليلة عاصفة، ولم يجد المسيحيون أمامهم سوى الكنيسة ملجأً ومأوىً، يحتمون بجدرانها الحجرية التي طالما شهدت صلواتهم وأفراحهم وأحزانهم. وقد تركوا أسلحتهم مدفونةً تحت الأرض، عاجزين عن الوصول إليها في خضمّ الفوضى والنار. لقد فعلوا ما يفعله الإنسان حين يستسلم للقدر، لا جُبنًا، بل لأنّ المعركة كانت قد حُسِمَت قبل أن تبدأ. وفيما كانت العشائر تنهب البيوت وتُفرّغها من كلّ ما فيه قيمة ومتاع، كان قادة العسكر يتفرّجون في صمت مُريب، لا يأمرون بوقف النّهب ولا يحرّكون ساكنًا لحماية الأبرياء. وكان ذلك الصّمت أبلغ من أيّ كلام، إذ كَشفَ عن وجه الحقيقة القبيح: وهو أنّ الحكومة لم تكن تريد لهذا الشعب الحياة، بل كانت تريد إبادته بالدسائس والمُكر والحِيَل، دون أن تتلوّث أيديها بالدّم المباشر أمام الملأ. وفي صباح يوم الاثنين التاسع عشر من الشهر، حين بدأ الضوء يتسلّل خَجِلًا من بين جبال آزخ، انسلّ الناجون من أسفس نحو آزخ كأشباح فقدت ظلالها. جاؤوا مُشاةً على الأقدام، جائعين منهوبين، يحملون على وجوههم أثر ليلة طويلة من الرعب والهول والفقدان. كانوا يتركون وراءهم عشرين شهيدًا سقطوا دفاعًا عن أرضهم وشرفهم، وكانوا يتركون بيوتًا بنوها بأيديهم على مدى أجيال، وكنيسةً كانت تحتضن أسرار روحهم وعمق إيمانهم. استقبلت آزخ الفارّين بكلّ ما تملكه من كرم وإنسانية، فجمع لهم أهلها الزاد وأسبغوا عليهم ما استطاعوا من العون والمواساة. وكان بين النازحين فقراء بائسون يمدّون أيديهم للمارّة طلبًا للصّدقة، وقد بلغ عددهم مئتين وعشرين نفسًا، بين رجل وامرأة وطفل، كلّهم يحملون في أعماقهم جرحًا لن يندمل بسهولة. ولمّا فرغت العشائر من نهب أسفس وسلبها حتى آخر ما فيها، أشعلوا فيها النار. فأضاءت ألسنة اللهب سماء تلك الليلة، كأن القرية أرادت في آخر لحظاتها أن تُضيء الظلام الذي خيّم عليها، وأن تُسجّل في السماء ما عجز الإنسان عن تسجيله في الأرض. وبقي الرماد شاهدًا صامتًا على ما كان، وعلى ما لم يُقَل. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|