![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
ملحمة آزخ — حين تتحدّث الصخور بلسان الأبطال
من وحي كتاب "ملحمة آزخ البطولية" للمؤرخ فؤاد زاديكي الفصل الأول: الجيش يطرق الباب في ذلك الخريف المثقل بالأوجاع من عام 1915، حين كانت أوراق الأشجار تتساقط كأنّها تودّع الأرض وداعًا أبديًا، وحين كانت الريح تحمل في أنفاسها رائحة البارود والدم من كلّ بقاع الأناضول المنكوبة، أقبلت على آزخ فرقتان من فرق الجيش العثماني كما يُقبل الغيم الأسود على وادٍ وادع لم يُذنب سوى أنه كان هناك. كانت الفرقة الأولى يقودها الآلاي عمر ناجي بك، ضابط يحمل في نظرة عينيه ذلك الخليط الغريب من الغطرسة العسكرية والذكاء البارد الذي يجعل صاحبه خطيرًا لأنه يُفكّر قبل أن يضرب. أمّا الفرقة الثانية فكانت تحت إمرة اللواء سامي بك، وقد جاءت لتكون الثقل الاحتياطي الذي يُلقَى في المعركة حين تحتاج الكفّة إلى ترجيح. وخلف هاتين الفرقتين وعلى جانبيهما، كانت تتدفق أعداد كبيرة من العشائر الكردية المسلّحة، يملؤون الجبال والتلال والممرّات كما يملأ الماء كلّ شقوق الصخر حين يجد له منفذًا. تمركزت تلك القوى الزاحفة حول آزخ من جهاتها الأربع، كما يُغلق أصابعه من يريد أن يخنق شيئاً بيديه. وأُسدل الحصار على البلدة الجبلية الصغيرة التي لم تكن تملك سوى صخورها الصامدة وإيمان أهلها الراسخ وذلك العناد الأزلي الذي يورثه الجبل لمن عاش في أحضانه جيلًا بعد جيل. وبدأ العدّ التنازلي لسبعة أيّام ستُحفر في ذاكرة المنطقة حفرًا عميقًا لا يمحوه الزمن. الفصل الثاني: المطران يحمل الزيتون بدل السيف لم يكن أهل آزخ من الذين يندفعون إلى المعركة دون أن يستنفدوا كلّ سبيل للسلام، فقد كانوا يعلمون أنّ الحرب حين تشتعل لا تسأل عمّن أشعلها، وأنّ الرصاصة لا تفرّق بين المُحِقّ والمُبطِل. فقرّروا أن يتقدّموا بالكلمة قبل أن يتقدّم السلاح، وأن يُجرّبوا المفاوضة قبل أن تُجرَّب المواجهة. فخرج المطران بهنام عقراوي من بين أسوار آزخ في موكب لم يكن يضاهي في ظاهره مواكب السفراء والملوك، غير أنه كان يحمل من ثقل المسؤولية ما يُثقل أكتاف الرجال الكبار. كان يسير في خطوات هادئة متّزنة، مصحوبًا بالشمامسة والشملاية، وبين أيديهم ثمانية عشر تنكةً من الدهن والجبن والبرغل، تلك الهدايا الوضيعة التي كانت تمثّل في جوهرها رسالةً رمزية تقول: "نحن لسنا أعداءكم، نحن مجرّد ناس يريدون أن يعيشوا." وصل الوفد إلى مقر الآلاي (الجنرال)، ذلك المكان الذي كان يفوح منه عطر السلطة ورائحة البارود في آنٍ معًا. لكن؟ الهدايا لم تفعل فعلها المأمول، فقد كان بعض الأكراد المحيطين بالآلاي قد سبقوا إلى سمعه بسمومهم، همسوا له أنّ آزخ ليست قرية مسيحية وادعة بل معقل للمتمرّدين والفدائيين الأرمن، وأنُها تضمّ في أحشائها خلايا من الثوار المتآمرين على الدولة، وأنّها تشنّ الغارات على القرى الكردية المسلمة المجاورة. وكانت تلك الأكاذيب قد وجدت لدى الآلاي أذنًا مستعدّة لسماع ما يُبرّر الضربة القادمة، فتمسّك بها ولم يُسارع إلى تفنيدها. وانتهى الوفد دون أن يحمل معه غير خيبة الأمل وثقل المسؤولية الأثقل. الفصل الثالث: صباح القصف في صباح اليوم السابع من الحصار، وحين كانت الشمس تشقّ طريقها بصعوبة من وراء الأفق الجبلي الموشّح بضباب الخريف، انتصبت المدافع التركية على موقع يُعرف بـ"الكومات"، وكأنّها أبواب جهنّم تُفتح للمرّة الأولى على قرية لم تكن في حسابات السلام. وبدأ القصف. كانت القنابل تنهمر على آزخ من شروق الشمس حتى دقّت نواقيس صلاة العصر، في قصف متواصل لا يرحم ولا يتوقّف، كأن هدفه لم يكن هزيمة أناس بل محو وجودهم من سجلّ الحياة. كانت القذائف تُفتّت الحجارة العتيقة وتُعلي سُحُب الغبار في السماء، وتُملأ آذان الأطفال المتكوّمين في الأقبية بذلك الدويّ الرهيب الذي يجعل قلب الأرض نفسه يرتجف. وفي خضمّ كلّ ذلك الهول، كان رجال آزخ يجلسون في طابياتهم المحفورة في الصخر، صامتين صمت من يُحصي أنفاسه وينتظر. لم يُطلقوا رصاصة واحدة ردّاً على كلّ ذلك الرعد الزاحف، لم يُجيبوا بحديدة واحدة على كلّ تلك الألسنة المتطايرة من المدافع. وكان في صمتهم ذاك ما هو أعمق من مجرّد الحكمة التكتيكية، كان فيه شيء يشبه الكبرياء، كبرياء من يعرف أنّ سلاحه محدود فيوفّره للحظة التي تستحقّ فعلًا. كانوا يُمسكون بأسلحتهم القديمة بأيدٍ ثابتة، تلك البنادق من طراز الچقماقي والماويزر التي لم تكن تكفي ذخيرتها خمس طلقات لكلّ بندقية. خمس طلقات فحسب يملكها كلّ رجل لمواجهة جيش بأسره. كان ذلك رقمًا يدعو إلى التأمّل، لكنّه في الوقت ذاته يدعو إلى الدّهشة، فأيّ صنف من البشر هؤلاء الذين يجلسون تحت المدافع وفي جعبة كلُ واحد منهم خمس رصاصات لا غير، ولا يُفكّرون في الاستسلام؟ الفصل الرابع: الهجوم وصدمة الأسوار حين توقّف القصف وانقشع الغبار عن المشهد المُدمَّر ظاهريًا، ظنّ الآلاي وعساكره أنّ آزخ قد لفظت آخر أنفاسها تحت وطأة تلك الحُمّى من القذائف. وربما لم يكن في حسبانه أنّ ثمّة ناسًا يستطيعون البقاء أحياء بعد كلّ ذلك، أو أنّهم إن بقوا أحياء فسيظلّون أهلًا للقتال. فاندفع الآلاي نفسه مع عساكره نحو أسوار آزخ في حركة الواثق من نفسه المتعجّل لقطف ثمرة النصر. كانت الأسوار تتراوح بين عدة أمتار وما يصل إلى عشرة أمتار في أعلى نقاطها، منحوتةً في الصخر ومبنيّةً بأيدي أجداد كانوا يعرفون أنّ هذا الجبل يحتاج إلى حصن لا يُتسلَّق بسهولة. وحين بدأ الجنود يتسلّقون تلك الأسوار بأيدٍ وأقدام تتعلّق بكلّ ناتئ من الحجارة، كان رجال آزخ في انتظارهم، هادئين كالصّخر الذي يجلسون فوقه، مُحكِمِين قبضتهم على تلك البنادق القليلة الطلقات. وفي اللحظة المناسبة، اللحظة التي لا تسمح فيها الأسوار للمهاجم بالتراجع ولا تُمكّنه بعد من التقدّم، أطلقوا نيرانهم. سقط أوّل ضابط تركي يعلو السور، سقط كما تسقط الصخرة المنزوعة من مكانها، وتبعه عدد من جنوده ينزلون إلى الأرض واحدًا بعد واحد. وكان في سقوط ذلك الضابط رسالة لم تحتج إلى ترجمة، فانتشر الذعر في صفوف المهاجمين كما ينتشر الحريق في القشّ الجاف، وهرولوا إلى الخلف يمدّون أجسادهم على التراب هربًا من الرصاص الذي كان أكثر دقّةً مما توقّعوا، وأكثر استعدادًا مما ظنّوا. وفي تلك اللحظة التي تراجع فيها الجيش عن أسوار آزخ، كان التاريخ يُدوّن في سجلاته أنّ بلدة صغيرة في جبال ماردين صمدت في وجه فرقتين من الجيش العثماني وآلاف المقاتلين من العشائر، وأنّ رجالها بخمس رصاصات لكلّ بندقية قالوا للموت: "ليس اليوم." الفصل الخامس: الأسلحة التي غيّرت المعادلة في خضمّ المعارك وتقلّبات الهجوم والدفاع، تمكّن بعض رجال آزخ الجسورين من الإفادة ممّا خلّفه العدو وراءه في انسحابه المتسرّع. فالتقطوا أربعة بوارد تركية حديثة تركها الجنود المتراجعون، تلك الأسلحة التي كانت في جودتها وحداثتها تفوق بكثير ما بين أيدي المدافعين من بنادق عتيقة. أُحضرت تلك الغنائم إلى أندراوس إيليّا، ذلك القنّاص الذي اشتُهر بين أهل آزخ بعينين تخترقان المسافات وبصبر الصيّاد المتمرّس. فأخذ يُفكّك تلك الأسلحة ويدرس آلية عملها بيده وعقله، كما يدرس الطبيب جسم مريضه الغريب قبل أن يُعالجه. ولم يمضِ وقت طويل حتى كان قد أتقن أسرارها وأحكم التعامل معها. لكن الأهمّ من الأسلحة نفسها كان الأثر النفسي الذي أحدثته في نفوس المحيطين. فما إن ذاع خبر حصول آزخ على أسلحة تركية حديثة حتى سرت في العشائر الكردية المتربّصة حول البلدة موجة من التردّد والخوف. فما كان واديًا مألوفًا في حسابات الهجوم صار فجأةً مجهولًا غير محسوب العواقب، وما كان مضمونًا من ضعف العدو بات موضع شكّ وإعادة تقدير. وأحيانًا يكون الرعب الذي تُثيره أسلحة قليلة في نفوس كثيرين أنجع فاعليّةً من تلك الأسلحة نفسها في ساحة المعركة. الفصل السادس: مجلس الكلمة الأخيرة مع حلول المساء وبعد أن أعاد الطرفان حساباتهما وقيّما ما جرى، فُتحت أبواب المفاوضات من جديد. وهذه المرّة كانت طاولة الحوار تحمل ثقلًا مختلفًا، فقد كان الجانب التركي يعلم الآن أنّ آزخ لم تكن ما تصوّرها، وأنّ أهلها ليسوا القطعان التي تُساق إلى المسلخ بلا مقاومة. جلس الوفد الأزخي أمام الآلاي عمر ناجي بك في تلك الجلسة التي ستُحدّد مصير البلدة. وكان الوفد يضمّ نخبة من رجالات آزخ ورجال الدين فيها: المطران بهنام عقراوي بهيبته الكنسية وحكمته البالغة، وحنا القس والد لحدو حنّا القس الذي كان يُشعّ هدوءًا يُخفي خلفه عزيمة لا تُكسر، ويوسف الخوري ممثّل الكلدان بلغته الدقيقة وحجّته المحكمة، ولبّوس بن حنّا إيليّا ممثّل البروتستانت الذي كان يجمع بين أناة العالِم وشجاعة المحارب. افتتح المطران الحوار بصوت هادئ كصوت النهر الذي يعلم أنّه سيصل إلى البحر مهما اعترض طريقه: "نحن أيّها الآلاي رجال هذه الأرض منذ أن كانت هذه الأرض، ندفع للدولة ما عليها لها من الضرائب دون تأخير ولا تحايل، وقد أرسلنا رجالنا ليقاتلوا تحت راية الدولة ضد أعدائها. فما الذي يجعلنا في عيون الدولة خارجين عن طاعتها؟" فردّ الآلاي بالسؤال الذي كان يعلم أنّ في باطنه سمًّا مُعَدًّا: "لكن عندكم فدائيون أرمنًا وكاثوليكًا وبروتستانتًا، أليس هذا تهديدًا صريحًا لأمن الدولة واستقرارها؟" لم يرتبك المطران ولم يتلعثم، بل ردّ بوضوح لا يقبل اللبس: "كل نفس في هذه البلدة سرياني أصيل، جذوره في هذه الجبال أعمق من الجذور التي تُمسك بصخورها. لسنا أرمنًا ولسنا فدائيين، ونحن لم نخرج قطّ عن أوامر الدولة وإذا اردتَ التاكّد من صحّة ما نقوله، فأمر بالبحث في سجلاتنا الحكومية في جزيرة ابن عمر وسترى بنفسك وتتاكّد بأنّنا سريان قديم.. أمّا السور الذي بنيناه حول بلدتنا فلم يكن في يوم من الأيام سورًا ضد الدولة، بل كان درعًا نحمي به أنفسنا من هجمات العشائر التي لا تسأل عمّن تضرب، ومن الخوف أن نُقتل تحت تهمة الأرمن التي يُلصقها بنا من يريد سلب أرضنا." الفصل السابع: بيداري والحقيقة التي لا تخجل منها حين تطرّق الحوار إلى قرية بيداري وما جرى فيها من دماء قرية عميرين السريانية، لم يتهرّب الوفد الأزخي من مواجهة الحقيقة، بل تقدّم إليها بصدر مفتوح. فأوضح المطران بصوت لا يُستبطن فيه اعتذار: إن تلك القرية كانت قد قطعت عهدًا مع جيرانها من السريان في عميرين، فلمُا وجدت فرصتها في غياب الدولة ونكوص قوّتها عن المنطقة، نقضت العهد وأمعنت في قتل الأبرياء العزّل. وكان في ذلك النقض ما يوجب ردّ الفعل من أصحاب الدم والشرف. "أما نحن في آزخ"، أضاف المطران وقد علا في صوته شيء يشبه الفخر، "فلم نُخرق أمرًا واحدًا من أوامر الدولة، ولم نُحرّك سلاحنا إلُا حين يُحرَّك في وجوهنا. فمن أين يأتي اتهامنا بالتمرّد ونحن لم نتمرّد؟" وكانت تلك الكلمات تحمل في طيّاتها فلسفة شعب بأكمله، شعب يرفض أن يُعامَل كمذنب لم يرتكب جُرمًا، وأن يُحاسَب على ما لم يفعله، وأن يتنازل عن شرفه بحثًا عن أمان لن يجيء أصلًا. الخاتمة: الصمود الذي يُعلّم التاريخ درسًا انتهى ذلك الحصار الأسود كما تنتهي العواصف الكبرى، لا بالانتصار الساحق لأحد الطرفين، بل بتلك الهدنة الهشّة التي تشبه الجمرة المغطّاة بالرماد. وبقيت آزخ واقفة على جبلها كما وقف الجبل نفسه منذ بدء الخليقة، لم تُسقطها المدافع التي أمطرتها من الفجر حتى العصر، ولم تخترق أسوارها الجنود الذين اعتقدوا أنّ بعد القصف لا يبقى مقاوم. غير أنّ للصمود ثمنًا دفعه أهل آزخ من لحمهم ودمهم. فالأجساد التي دُفنت في خضمّ المعارك ودُسّ بعضها فوق بعض في حُفَر ضيّقة كأنّهم لم يجدوا حتى في الموت ما يكفيهم من مساحة، تلك الأجساد كانت تنتظر موتًا آخر تُلقيه على الأحياء. ففي عام 1917 ضرب الطاعون آزخ ضربة من نوع مختلف، حين أطلقت الجثث المتعفّنة سمومها في الهواء والماء والتراب. ومات أناس لم يموتوا بالرصاص، بينهم القسّ يوسف والد حنّا القس الذي ربّما كان قد صلّى طوال الحصار أن ينجو ليموت بعد سنتين بعدوى صامتة لا تُرى، وممّن مات في تلك السنة بسبب الطاعون عمُتي بسّي أمّ حنّا بَدِّيش، الذي أطلق النار على نفسه في الموصل وهو في حالة سكر. وكان لعمتي بسي ثلاث بنات، اثنتان منهما تزوّجتا الأولى من قبطان طائرة مدنية إنجليزي والثانية من ضابط في الجيش الإنجليزي سافرتا معهما من الموصل بالعراق إلى بريطانيا، لم نعد نعلم أو نسمع عنهما شيئًا بينما البنت الثالثة سكنت في القدس وكان عيسى ابن عمر مراد زاديكي التقى بها بالصدفة في دارها بالقدس عن طريق ابنها قبل ما يزيد عن الخمسين عامًا. لكنّ آزخ بقيت، وكفى بذلك شهادةً على ما كان فيها من معدن لا تُصهره الحرارة مهما اشتدّت، ومن إيمان لا تُزعزعه القنابل مهما تتابعت، ومن إنسانية رفضت أن تُذعن حتى وهي تحتضن شهداءها بيديها. وما زالت صخور آزخ اليوم تحمل في أعماقها ذلك الصدى البعيد من دويّ المدافع ونداءات المدافعين عنها، وما زالت أسوارها التي لم تُكسر تقول لكلّ من يمرّ بها في صمتها الصخري العميق: "كنّا هنا، وكنّا أحرارًا، ودفعنا لهذه الحرية ثمنًا لم ندّخر منه شيئًا". |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|