![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
# في واقعة آزخ ونواحيها
كما رواها جبرائيل هندو في يومياته كشاهد عيان على الجحيم تدقيق وتحقيق وإضافة: فؤاد زاديكي مدخل: جزيرة النور في بحر الظلمات كانت آزخ، في تلك السنة المشؤومة من عمر التاريخ، تشبه شمعةً وحيدة تقاوم الإطفاء في غرفة يتصارع فيها مئة ريح. بلدة مسيحية عريقة تحتضن أربعمائة بيت بما فيها، موزّعة بين نحو أربعين بيتًا من السريان الكاثوليك وسائرها من السريان الأرثوذكس -(اليعاقبة) الذين توارثوا هذه الجبال عن آبائهم وأجدادهم منذ أن كان للتاريخ مبتدأ. كانت آزخ معروفةً بين العشائر الكردية المحيطة بها معرفة الخصم لخصمه، مشهودٌ لها عبر الأجيال المتعاقبة بأنّها لا تُستسلم بسهولة ولا تُكسر بيسر، وأنّ في صخورها من الكبرياء ما يُورَث كما يُورَث لون العيون وشكل الوجوه. أمّا في هذه السنة بالذات، سنة 1915 التي ستظلّ في ذاكرة الشرق كلمحة من الجحيم الأرضي، فقد وجد أهل آزخ أنفسهم في مواجهة ما لم يرَ له آباؤهم ولا أجدادهم مثيلًا منذ أن قامت البلدة على وجه المسكونة. كانت قرى كردية مسلمة تُحاصرها من كلّ جهاتها الأربع، تُطوّقها كما يُطوّق الذئب القطيع في ليلة عاصفة، وكانت بعض تلك القرى تُبطن لآزخ الحقد وتُضمر لها الشرّ منذ أمد طويل، مستترًا وراء ثياب الجوار وكلام السلام. كانت آزخ كنقطة من الصّحو الشاحب في جلد سماء مُثقَلة بالغيوم السوداء، تهاجمها رياح عاتية من كلّ جهة وتحمل في أنفاسها جميع أصناف الشرّ وأنواع الأذى. غير أنّ في آزخ شيئًا لا تستطيع الرياح العاتية ولا الغيوم السوداء أن تُطفئه، شيء يشبه ذلك الضوء الخافت الذي يبقى في الأفق طويلًا بعد أن تغيب الشمس. كان ذلك الشيء هو إرادة الحياة المتجذّرة في أعماق كل رجل وامرأة وطفل من أهل تلك البلدة الجبلية الصامدة. الفصل الأول: المدير الجديد والسياسة المسمومة في الخامس عشر من أيار عام 1915، حين كانت الطبيعة تُشعل خضرتها الربيعية على جبال المنطقة غير مبالية بما يدور في نفوس البشر من مؤامرات ومخطّطات، وصل أمر رسمي من قائمقام الجزيرة إلى مدير آزخ، يأمره بضبط القصور والعلالي في البلدة وإحصائها وتسجيلها. وكان في ذلك الأمر ما يبدو في ظاهره إجراءً إداريًا روتينيًا، لكنّه كان في حقيقته خطوة استطلاعية أولى في سلسلة خطوات مُحكَمة التسلسل، كما يرسم الصيّاد المتمرّس خطوطه الأولى قبل أن يُحكم نصب الفخ. وبعد أيام قلائل، أرسل القائمقام مَن يوثّق لمهمّته تلك، فجاء رجل يُدعى محمد أغا، رئيس عشيرة الرّمّان من قضاء مديات، رجل يعرف كيف يُخفي مقاصده خلف وجه مُسالم ولسان ناعم. جاء إلى آزخ ومكث فيها أسبوعًا كاملًا، يتجوّل في أزقّتها ومحلّاتها، يتحدّث إلى أهلها ويُصغي إلى كلامهم، يُراقب تحرّكاتهم ويزن قواهم. كان كلّ شيء في ظاهره زيارة ودّية لا تُلزم أحدًا بشيء، لكنه كان في باطنه عمليّة تجسّس منظّمة الهدف، إذ كانت مهمّته الحقيقية استطلاع حجم ما تمتلكه البلدة من رجال وسلاح وعتاد وتحصينات. غير أنّ محمد آغا وجد نفسه أمام حقيقة أعادت حساباته من أوّلها، فقد كانت آزخ أقوى مما تخيّل ومن المستحيل أن يُشعل فيها المذبحة بما لديه من قوّات وحده دون دعم عسكري خارجي. فذهب إلى مديات يطلب الإمداد والتعزيز، ساعيًا وراء السند الذي يجعل ما يُريده ممكنًا. ولكنُ القدر كان يُحرّك قطعه على رقعة الشطرنج بمنطقه الخاص، إذ عُزل القائمقام في تلك الأثناء عزلًا مفاجئًا. وكان سبب عزله مؤلمًا في دلالته ومثيرًا للتأمّل، فلم يكن والي ديار بكر محمد رشيد باشا، ذلك الرجل الذي سيُلاحقه التاريخ بلعناته حتى يوم انتحاره عام 1919، راضيًا عن سياسة القائمقام في مسألة المذابح، لا لأنّها كانت وحشيّة بل لأنّها كانت في نظره قاصرة وغير كافية وما دون المستوى المطلوب. وهكذا كان شيطان يُعزل لأنّ شيطانًا أكبر منه يرى في شيطانيّته قصورًا وتفريطًا. الفصل الثاني: المدير الجديد ومسرحية الأمان جاء المدير الجديد إلى آزخ قادمًا عبر مديات، وما إن وطأت قدماه أرضها حتى بدأ في تطبيق سياسة جديدة أشدّ إحكامًا وأكثر خبثًا ممّا سبقها. كان الرجل يُجيد لبس الأقنعة وتبديلها بحسب المقام، فتارةً يظهر بقناع الحاكم الحكيم الذي يسعى لخير رعاياه، وتارةً بقناع الضابط الحازم الذي لا يتسامح مع ما يُهدّد أمن الدولة. وكانت الخطوة الأولى في سياسته الجديدة هي المطالبة بتسليم الأسلحة، مُغلَّفةً بخطاب يعبق بالرعاية والاهتمام. فجمع وجوه البلدة وقال لهم بصوت يُلاحظ فيه المُنصت أنّه أكثر تهديدًا مما يبدو: "سلّموا ما لديكم من أسلحة، وستكون الدولة درعكم وسيفكم، ستحمي أموالكم ومواشيكم وأراضيكم من أيّ عدوان، وستكون لكم ظهيرًا وسندًا في كلّ ما تحتاجونه." كان في تلك الكلمات ما يُعسّل الحنظل ويُزيّن المصيدة بأجمل الأزهار، فقد كان المسيحيون في كل مكان وصلت إليهم أخباره يعلمون ماذا حلّ بأولئك الذين سلّموا أسلحتهم ووثقوا بوعود الدولة. كانت الأخبار تصل إلى آزخ واحدةً تلو الأخرى كحجارة تُلقَى في بئر عميق، أخبار عن قرى أُبيدت بعد أن نزعت عنها الدولة سلاحها، وعن أسَرٍ مُحِقت بعد أن وثقت بحمايتها. فأجاب مختار آزخ بتلك الجملة المحسوبة التي أُريد لها أن تُغلق الباب دون إثارة العاصفة: "ليس لدينا أي سلاح." فاحتدم المدير بردٍّ كاشف عمّا يختفي وراء القناع: "إذا ثبت أنّ لديكم أيّ سلاح فعقابكم سيكون صارمًا، إذ ستعدّكم الدولة أعداءها وتُعاملكم معاملة المتمرّدين. أمّا إن سلّمتم ما عندكم فإنّها ستصون دماءكم وتحفظ أملاككم." وكان في ذلك التهديد المزدوج، الترغيب من هنا والترهيب من هناك، فنٌّ قديم في أساليب الإخضاع لم يتغيّر منذ فجر الطغيان. غير أنّ أهل آزخ كانوا قد تعلّموا من تاريخهم الطويل مع هذا النوع من الفنون ما يُعينهم على التعامل معه بحذر من لا يُصدّق ولا يرفض بصوت عالٍ. الفصل الثالث: الحامية التي كانت سجّاناً ثم جاء الطلب الثاني الذي كَشَف بجلاء عن النيّة المضمرة خلف كل تلك الكلمات المعسولة. قال المدير للمختار بنبرة من يمنح لا من يفرض: "نريد أن نُبقي عندكم حامية عسكرية مهمّتها حمايتكم والدفاع عنكم، فكم نفرًا تريدون؟" كان في السؤال ذاته شيء يُثير الرّيبة لمن يُجيد قراءة ما بين السطور، فالحماية التي تُطلب لا تُفرض، والحارس الحقيقي لا يسأل المحروس كم يريده. لكنّ المختار أجاب بهدوء الرجل الذي يزن كلّ كلمة: "عشرة أنفار لا أكثر، وليكونوا من قِبَل الدولة العثمانية وباسمها." كان يُحاول بذلك تحديد العدد وربط الحامية بالشرعية الرسمية، درءًا لأن تتحوّل إلى قوّة ضاربة تُنفّذ أوامر خاصُة لا علاقة لها بالحماية. لكنّ المدير ابتسم ابتسامة من يملك الأوراق كلّها وقال: "لا بل الدولة تنعم عليكم بخمسين نفرًا." وكانت في تلك المفارقة بين العَشْرَة المطلوبة والخمسين المفروضة رسالة واضحة لمن يُحسن الفهم. ثمُ كشف المدير عن حقيقة مقاصده حين أمر بتوزيع أولئك الخمسين جنديًّا على المواقع المشرفة على مصادر الماء، تلك المواقع الحيوية التي يعلم كلّ من يعيش في الجبال أنّ من يسيطر عليها يسيطر على أرواح السكان. وأدرك أهل آزخ ساعتها أنُ الخمسين جنديًا لم يأتوا حُرّاسًا بل جاؤوا سجّانين، لا يحمون ماء البلدة بل يحتجزونه رهينةً للاستخدام في اللحظة المناسبة. فصمتوا صمت من لا يملك في تلك اللحظة بديلاً أفضل من الصمت، لكنّهم في داخلهم كانوا يرتّبون أفكارهم ويُحكمون حساباتهم. كانوا يعلمون أن أيّ محاولة لإنشاء تحصينات أو حفر خنادق داخل البلدة ستكون ذريعةً جاهزة للدولة كي تتّهمهم بالعصيان والتمرّد وتُعلن وجود السلاح لديهم، وبالتالي تُسبغ على ما تُريد فعله بهم ثوب القانون والشرعية. فكانوا مُحاصرين في فخّ مُزدوج، لا يستطيعون الدفاع العلني دون اتّهام، ولا يستطيعون الثقة بالحماية المعروضة دون انتحار. الفصل الرابع: بابقّا والدرس المؤلم في أواخر ذلك الشهر المثقل بالأوجاع، تحرّكت عشائر الطور مع العليكان وأبناء الدشت وتجمّعوا حول قرية بابقّا المسيحية الوادعة، تلك القرية الصغيرة الجاثمة على بُعد ساعة واحدة جنوب آزخ، كأنّها قطرة ماء وحيدة في فم صحراء جائعة. أحاطوا بها من كلّ جانب وأقسموا أيمانًا لن يتزحزحوا عن مكانهم حتى يُتمّوا ما جاؤوا من أجله، ذبح جميع أهلها وإحراق كلّ ما بنوه وزرعوه وأحبّوه. حين وصل الخبر إلى مسيحيي بابقّا وأدركوا أنّ الهجوم جادّ لا مزاح فيه، أخرجوا أسلحتهم المخبّأة وأخذوا مواقعهم للدفاع عن أرواحهم وأرواح أطفالهم. وكان في تلك اللحظة من الكرامة والشجاعة ما يجعل القلب ينبض بشيء من الفخر رغم كلُ الهول المحيط. كان أهل بابقّا من عشيرتَي الخزموكية والبرصومكية، امتدادًا من الجذور الإنسانية لآزخ وفروعًا من نفس الشجرة العتيقة. لكنّ آزخ، تلك الأمّ الكبيرة التي لا تنام حين يُمسّ أبناؤها، أرسلت إليهم رسالة عاجلة تطلب منهم بإلحاح عدم إظهار السلاح وإخفاءه من جديد. وكان في ذلك الطلب ما يبدو في ظاهره قسوةً مُربِكة، فكيف تُطلب من أناس في لحظة خطر محدق أن يضعوا سيوفهم في أغمادها؟ لكن في باطنه كانت حكمة الرجل الذي ينظر إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، لأنّ إظهار السلاح في بابقّا كان سيُعطي الذريعة الجاهزة لتحريك المذبحة على مسيحيي المنطقة كلّها دفعةً واحدة. وتحمّل أهل آزخ عبء حلٍّ آخر مكلف ومُضنٍ، فجمعوا كميةً من الذهب ليست بالقليلة، وقدّموها للمدير رشوةً صريحة مكشوفة لا تُجمّلها الكلمات ولا يُخفيها اللباس. كان الذهب يُقال بوضوح: "اصرف عن بابقا ما اجتمع عليها من شرّ." وهناك مثل آزخي يقدر ذكره في مثل هذه المناسبة وهو "البَرطِيلْ، يِقْتِلْ قَتِيلْ" فذهب المدير بذلك الذهب الثقيل الوطأة إلى زعماء العشائر وأقنعهم بالانسحاب، فتفرّقوا كما يتفرّق الذباب حين يُذبّ عنه، لا لأنّ ضمائرهم استيقظت بل لأنّ أكفّهم امتلأت. وكان أهل آزخ بعد ذلك يتداولون بينهم في سرّ ما دفعوه دون أن يشكوا أو يتبرّموا علنًا، لأنّهم كانوا يعلمون أنّ الذهب الذي اشتروا به أرواح إخوانهم في بابقّا كان أرخص بكثير من الدماء التي كانت ستُسفك لو لم يُدفع. الفصل الخامس: العسكر الأسود كان للأزخيين سمعة بين العشائر الكردية المحيطة تسبق وصولهم وتبقى بعد رحيلهم، تلك السمعة التي جعلت بعض تلك العشائر تُطلق على عساكر آزخ لقبًا يحمل في طيّاته خليطًا من الرهبة والاحترام والحذر: "العسكر الأسود." وكان في ذلك اللقب دلالات عميقة يعرفها أهل الجبال جيدًا، فالأسود في لغتهم لا يعني لون البشرة بل يعني الغموض الذي يُرهب، والقوّة التي لا تُعلن عن نفسها حتى اللحظة الأخيرة، والعزيمة التي لا تُساوَم ولا تُكسر. كان ذلك اللقب يحمل تاريخًا طويلًا من المواجهات التي خرجت فيها آزخ محافظةً على صخرتها في مواجهة أعاصير ما كان يُتوقّع لها أن تتوقّف. وكان أهل آزخ يحملون ذلك اللقب دون أن يتباهوا به ودون أن يتبرّؤوا منه، كما يحمل الجبل اسمه، لأن اسمه هو ما فعله لا ما قيل عنه. خاتمة: المدينة التي أبت أن تموت كانت آزخ في تلك الأيام المضطربة تعيش على حافة الهاوية بخطوة واحدة، تُحاول في كلُ لحظة أن توازن بين متطلّبات البقاء ومقتضيات الكرامة، بين الحذر الذي يُديم الحياة والعزّة التي تجعلها تستحق الديمومة. كانت تتعامل مع الدولة التي تتربّص بها بحكمة من يُحسن قراءة ما وراء الكلمات، وتتعامل مع العشائر المحيطة بها بحذر من يعرف أن السلام الهشّ أهون من الحرب الدامية حين تكون موازين القوى غير متكافئة. لكن في كل تلك المناورات والحسابات والتنازلات القسرية، كان هناك شيء واحد لم يُبَع ولم يُرهَن ولم يُقدَّم فدية أو رشوة، وهو ذلك القرار الصامت الراسخ في أعماق كلّ رجل وامرأة في آزخ، القرار الذي لم يُكتَب ولم يُذَع لكنّه كان موجودًا كوجود الهواء، قرار بأنّ آزخ ستبقى آزخ، مهما كلّف ذلك ومهما طال الليل. وكان الجبل يعلم ذلك، والسماء تعلم، والأسوار الحجرية التي سترى قريبًا ما لم تتوقّعه وستصمد أمام ما لم يصمد أمامه كثيرون كانت تعلم أيضًا. *هوامش:* *¹ كان والي ديار بكر عام 1915 هو محمد رشيد باشا المولود عام 1873، الذي لعب دورًا محوريًا في تنفيذ سياسات التهجير والإبادة ضد السريان والآشوريين والأرمن، وقد جعل ولايته من أكثر الولايات العثمانية دموية وعنفًا في تلك الحقبة المظلمة. انتهى به الأمر مُنتحرًا عام 1919 بعد سقوط الدولة العثمانية وبدء ملاحقة المسؤولين عن تلك الجرائم.* *² الدّشت كلمة كردية تعني السّهل أو الأرض المنبسطة.* |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|