Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الأزخيني > ازخ تركيا > من تاريخ البلدة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-02-2026, 09:00 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,824
افتراضي مقدمة كتاب: ملحمة آزخ البطولية — أيام السيفو 1915 بقلم: فؤاد زاديكي بسم الآب وال

مقدمة كتاب: ملحمة آزخ البطولية — أيام السيفو 1915



بقلم: فؤاد زاديكي


بسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد، آمين.

في أقصى الشمال السوري، حيث تلتقي الجبال بالسماء وتتشابك الوديان مع الأزمنة، وحيث يحمل الحجر من العمر ما لا تحمله الكتب ولا تستوعبه الذاكرة البشرية في محدوديتها، تجثم على ربوة شامخة من جبال ماردين بلدة لم تُولَد يومّا للركوع. بلدة نحتها الزمن من صخر الإباء، ورسمها القدر في قلب جغرافيا لم تكن يومًا سهلة على من أحبّها، ولا على من حاول أن يُذلّها أو يمحو اسمها من سجلّ الوجود. تلك هي آزخ، درّة السريان الصامدة في صدر التاريخ، وشاهدته الحيّة الناطقة على ما فعله الإنسان بأخيه الإنسان حين أطفأ في قلبه نور الضمير وأشعل بدله نار الحقد والبغضاء.

آزخ — الاسم والمكان والروح

لآزخ في اللغة السريانية العريقة، تلك اللغة التي تكلّم بها المسيح ربّنا وصلّى بها ودعا وعلّم، دلالة تحمل في طيّاتها بذرة قصّتها كلّها منذ الأزل. إذ يعني الاسم في إحدى تفسيراته "المكان المرتفع" أو "الحصن الشامخ"، وكأنّ الأجداد الأوائل حين اختاروا لبلدتهم هذا الاسم العتيق كانوا يُودعون فيه وصيّتهم الأزلية للأجيال المتعاقبة من أبنائهم وأحفادهم: أبقوا مرتفعين، أبقوا شامخين، أبقوا أحرارًا، مهما أحاط بكم من عواصف الأرض وأعاصير الزمن وتقلّبات الطغاة والجبابرة.

تقع آزخ في جنوب شرق تركيا الحديثة، في منطقة ماردين التاريخية العريقة، على ارتفاع يجعلها تُشرف على ما حولها إشرافَ الحارس اليقظ الأمين لا إشرافَ المتكبّر المتعالي. تُطوّقها من جهاتها الأربع جبال وعرة وعرة ووديان سحيقة العمق، وقد كانت تلك التضاريس القاسية شديدة الوطأة حارسها الطبيعي الأوّل عبر القرون المتطاولة، فما عجز البشر عن التصدّي له وردّه أعانهم عليه الجبل بصموده وصلابته. وكانت بيوتها الحجرية القديمة متراصّة متلاصقة كأنها صفوف من المؤمنين الواقفين في صلاتهم أمام ربّهم، مبنيّةً من نفس الصخر الذي يحملها على ظهره، كأنّ الأرض قرّرت في يوم من الأيام أن تنهض من رقدتها وتبني لأبنائها مأوىً يشبههم في صلابته وعزّته وعمقه.

في تلك البلدة الجبلية المنيعة كانت تعيش في مطلع القرن العشرين قرابة أربعمائة أسرة، أكثرها من السريان الأرثوذكس اليعاقبة الذين يمتدّ وجودهم في هذه الأرض إلى ما قبل الإسلام بقرون، ونحو أربعين بيتًا من السريان الكاثوليك وبعض البروتستانت الذين شاركوا إخوانهم الأرض والدم والمصير. كانوا جميعًا يتكلّمون اللغة الآرامية السريانية التي صمدت أمام كلّ موجات الاستيعاب والإلغاء الثقافي والقسري كما صمدت آزخ نفسها أمام موجات الغزو والتدمير المتكرّرة. وكانوا يزرعون أرضهم الجبلية القاسية بعرق جبينهم ويربّون مواشيهم ويمارسون حرفهم التقليدية بأيدٍ اعتادت على العطاء، ويُدفنون في نفس التراب الذي وُلد فيه آباؤهم وأجدادهم، في استمرارية بشرية روحية تضرب بجذورها في أعماق الحضارات السامية الأولى.

جذور ضاربة في أعماق التاريخ

ينتسب أهل آزخ من السريان إلى أعرق حضارات الشرق الأدنى القديم، إلى تلك الحضارات العظيمة التي علّمت الإنسانية الكتابة والقانون والفلسفة والفلك والزراعة، حضارة آرام وأشور وبابل ونينوى، الحضارات التي كانت تضجّ بالحياة والعلم والفنّ في أزمنة كانت فيها أكثر بقاع الأرض لا تزال تتلمّس طريقها في عتمة الجهل. وقد احتضنت المسيحية مبكّرًا في قلوب هؤلاء القوم، فكانوا من أوائل من استجابوا لنداء الإنجيل وآمنوا بالمسيح ربُّا ومخلّصًّا، في تلك البقعة من الأرض التي شهدت ولادة الديانات الكبرى وتشكّل الضمير الإنساني في صورته الأرقى.

واحتضنت آزخ عبر قرونها الطويلة كنائس وأديرة كانت شعلة العلم والإيمان في وجه الأمية والجهل، ومراكز للثقافة السريانية التي صانت الموروث الحضاري لهذا الشعب جيلاً بعد جيل. وكان أبناؤها يتوارثون مع الاسم والدم والأرض إرثًا روحيًّا ثقيلًا من الإيمان والكرامة والانتماء، إرثًا يجعل الإنسان منهم يُفضّل الموت واقفاً على الحياة راكعًا.

بين مطرقة الدولة وسندان العشائر

لم تعش آزخ تاريخها في كنف الراحة والاطمئنان، بل كان وجودها في تلك المنطقة الجغرافية الحسّاسة المتقلّبة ضربًا من المعاناة المتجدّدة والصمود المتواصل. فقد كانت مُحاطة من كلّ جهاتها بعشائر كردية مسلّحة تتربّص بها في أكثر من مناسبة، وتجد في ضعف السلطة المركزية فرصةً لإطلاق العنان لنزواتها وأطماعها. وكانت الدولة العثمانية في أحيان كثيرة لا تُمثّل للمسيحيين حمايةً بل كانت تُمثّل في أحسن أحوالها غيابًا يفتح الباب للذئاب، وفي أسوأها سيفًا مُصلَطًا يزيد على ما تفعله الذئاب.

ومع ذلك كلّه، لم تنكسر آزخ ولم تستسلم. بل كان لها في مواجهة العشائر المعتدية والسلطات الجائرة سجلّ طويل من الوقائع المشهودة والمعارك المحفورة في ذاكرة المنطقة، حتى صار اسمها على ألسنة أعدائها قبل أصدقائها مرادفًا للصمود الذي لا يُكسَر والكبرياء التي لا تُباع. وكان الأكراد المحيطون بها يُطلقون على عساكرها اسم "العسكر الأسود"، ذلك اللقب الذي يحمل في طيّاته اعترافًا ضمنيًا بالهيبة التي كانت تثيرها تلك البلدة الصغيرة في نفوس من كانوا يُضمرون لها الشرّ ويتربّصون بها الدوائر.

عام 1915 — حين فُتحت أبواب الجحيم

ثم جاء ذلك العام الذي حفر اسمه في ذاكرة الشرق بمداد الدم والنار، عام 1915، عام السيفو، وهي كلمة آرامية سريانية تعني "السيف"، ذلك الاسم الذي أطلقه السريان الآشوريون على المحرقة الكبرى التي حلّت بهم وبإخوانهم الأرمن والروم على يد الدولة العثمانية وعشائرها المتحالفة معها في خضمّ الحرب العالمية الأولى. كانت تلك إبادةً منهجية مُدبَّرة بعقل بارد ونفس حاقدة، استهدفت محو الوجود المسيحي من وجه الأناضول وما جاوره محوًا شاملًا لا يُبقي أثرًا ولا يرحم صغيرًا ولا كبيرًا.

وفي خضمّ تلك العاصفة الهوجاء التي اجتاحت كلّ شيء وحطّمت كل شيء، كانت آزخ تقف وحيدةً في مهبّ الريح كما يقف الصخر في مواجهة البحر العاتي، تُقاوم الموت كل يوم وتُبادله الثمن غاليًا. جاءها من الجنود والعشائر ما يفوق قدرتها بأضعاف، وحاصرها من المدافع والبنادق ما كان كفيلًا بمحو مدنًا لا قرًى، وضُغط عليها من الدولة والسياسة والخداع ما يُميت الأمل في النفوس المهيضة. ومع ذلك كلّه، لم تسقط آزخ، ولم تُسلّم نفسها لمن أراد بها الفناء.

هذا الكتاب — شهادة على ما كان

هذا الكتاب الذي بين يدَي القارئ الكريم ليس مجرّد توثيق تاريخي لأحداث جرت منذ أكثر من مئة عام، بل هو شهادة حيّة يرويها من عاشوا تلك الأحداث ونزّوا من جروحها دمًا وألمًا. وقد استندت في إعداده وتحقيقه إلى يوميّات الشاهد العيان جبرائيل هندو الذي عاش كل تفاصيل تلك الأيام المضطربة ودوّنها بيده وهي لا تزال مرتجفة من هول ما رأى وما سمع وما عاش وكذلك عن صاموئيل عبد الاحد ويوسف القس جبرائيل ويوسف لحدو مراد وكوركيس لحدو حدّك وآخرون عن طريق النقل الشفوي وهم كانوا شهود عيان لتلك الاحداث. وقد حرصت كل الحرص على أن أكون أمينًا للحقيقة التي رووها، مُضيفًا ما يُوضّح ويُساق ويُصوّب الأخطاء الكتابية، دون أن أُضيف إلى ما كان ما لم يكن، ودون أن أنزع من الحادثة شيئًا مما كان. لقد صغتها بأسلوبي الشخصي والخاصّ.

إنّ تاريخ آزخ في أيام السيفو هو جزء من تاريخ شعب بأكمله، شعب السريان الآشوريين الكلدان الذين دفعوا في تلك السنوات الدامية ثمنًا لم يستحقّوه بأيّ منطق إنساني أو أخلاقي أو ديني. وإنّ في تدوين هذا التاريخ وإخراجه من دهاليز النسيان إلى نور الذاكرة الجماعية واجبًا مقدّسًا تجاه أرواح الشهداء الذين سقطوا، وتجاه الأحفاد الذين يحقّ لهم أن يعرفوا من أين جاؤوا وماذا فعل أجدادهم في مواجهة الظلم والطغيان والموت.

أقدّم هذا العمل المتواضع هديّةً لروح كلّ شهيد سقط دفاعًا عن أرض آزخ وشرف أهلها وصليب كنائسها، وتحيّةً لكل مَن صمد في تلك الساعات العصيبة ورفض أن يُطفئ في قلبه آخر جمرة من جمرات الكرامة الإنسانية، وإكرامًا لكلّ من حمل بعد ذلك هذه الذاكرة المؤلمة في صدره عبر المهاجر والمنافي والغُرَب البعيدة، لم يرمِها ولم ينسها ولم يتخلَّ عنها.

فليكن هذا الكتاب شمعةً صغيرة تُضاء فوق قبور الشهداء، وسطرًا متواضعًا يُكتب في ذاكرة شعب أبى أن يموت.


"المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة"

المؤلف
فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:47 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke