![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
نتابع القسم الثاني من بحثنا حول الكنائس والأديرة في آزخ وكانت المحطّة الأولى هي كنيسة العذراء
المَحطَّةُ الثَّانِيَةُ: كَنِيسَةُ القِدِّيسَةِ مَارْت شْمُونِي فِي آزَخ بقلم: فؤاد زاديكي تَقِفُ الذَّاكِرَةُ الآزَخِيَّةُ اليومَ خَاشِعَةً أَمَامَ أَطْلَالِ مَعْلَمٍ كَانَ يَوْمًا مَنَارَةً لِلإِيمَانِ، وَشَاهِدًا عَلَى تَجَذُّرِ الوُجُودِ السِّرْيَانِيِّ فِي هَذِهِ الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ، إنَّهَا "كَنِيسَةُ مَارْت شْمُونِي". تِلْكَ الكَنِيسَةُ، الَّتِي صَارَعَتْ عَوَاصِفَ الزَّمَنِ وَتَغَوُّلَ السِّيَاسَةِ، فَظَلَّتْ حَاضِرَةً فِي الوَثَائِقِ وَالقُلُوبِ رَغْمَ غِيَابِ حِجَارَتِهَا عَنِ العَيَانِ. مِحْنَةُ المَكَانِ وَأَمَانَةُ التَّارِيخِ لَقَدْ تَعَرَّضَتْ هَذِهِ الكَنِيسَةُ العَرِيقَةُ لِمُصَادَرَةٍ جَائِرَةٍ مِنْ قِبَلِ السُّلُطَاتِ التُّركِيَّةِ مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ، حَيْثُ طَالَتْهَا يَدُ الهَدْمِ لِتُقَامَ عَلَى أَنْقَاضِهَا بِنَايَةُ البَلَدِيَّةِ القَدِيمَةِ والسَّرَاي الحكومِيّ. وَلَكِنَّ الحَقَّ لَا يَمُوتُ مَا دَامَ وَرَاءَهُ مُطَالِبٌ جَسُورٌ، فَبَعْدَ مَخَاضٍ عَسِيرٍ فِي أَرْوِقَةِ المَحَاكِمِ عَامَ 1962م، اسْتَطَاعَ المَرْحُومُ الخُورِي يُوسُف بِيْلَان -بِفَضْلِ جِهَادِهِ المُسْتَمِيتِ وَعِنَايَتِهِ الفَائِقَةِ- أَنْ يَنْتَزِعَ اعْتِرَافًا قَانُونِيًّا يُسَجِّلُ أَرْضَ الكَنِيسَةِ بِاسْمِ "أَوْقَافِ السُّرْيَانِ الأُرْثُوذُكْسِ". وَبَيْنَ أَيْدِينَا اليومَ وَثِيقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ نَادِرَةٌ، هِيَ "سَنَدُ المِلْكِيَّةِ" الَّذِي خَطَّهُ الخُورِي يُوسُف بِيْلَان بِيَدِهِ عَامَ 1959م، لِيَكُونَ شَاهِدًا أَبَدِيّاً عَلَى هُوِيَّةِ الأَرْضِ. تُشِيرُ هَذِهِ الوَثِيقَةُ إِلَى أَنَّ الكَنِيسَةَ كَانَتْ تَرْبِضُ شَمَالِيَّ آزَخ عَلَى الطَّرِيقِ المُؤَدِّيَةِ إِلَى قَرْيَةِ "إِسْفَس"، يَحُدُّهَا شَرْقًا أَرْضُ "بَيْتِ حَنَّا گَبْرَى"، وَغَرْبًا وَشَمَالًا طَرِيقُ إِسْفَس وَأَرْضُ "بَيْتِ حَدُوكِي"، بَيْنَمَا تُطَوِّقُهَا أَرْضُ "بَيْتِ حَنَّا گَبْرَى" مِنْ جِهَةِ الجَنُوبِ أَيْضًا. مَلْحَمَةُ الشَّهَادَةِ: مَارْت شْمُونِي وَأَبْنَاؤُهَا السَّبْعَةُ لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارُ اسْمِ "مَارْت شْمُونِي" لِهَذِهِ الكَنِيسَةِ عَبَثًا، بَلْ تَيَمُّنًا بِتِلْكَ المَرْأَةِ الجَبَّارَةِ، الَّتِي سَطَّرَتْ مَعَ أَبْنَائِهَا السَّبْعَةِ وَمُعَلِّمِهِمْ "لِعَازَرَ" أَرْوَعَ مَلَاحِمِ الثَّبَاتِ، كَمَا وَرَدَ فِي "سِفْرِ المَكَّابِيِّينَ الثَّانِي". فِي عَهْدِ الطَّاغِيَةِ "أَنْطِيُوخُس"، حِينَمَا حَاوَلَ إِكْرَاهَهُمْ عَلَى تَدْنِيسِ إِيمَانِهِمْ وَمُخَالَفَةِ شَرِيعَةِ آبَائِهِمْ، وَقَفُوا كَالجِبَالِ الرَّاسِيَةِ. لَقَدْ بَدَأَ التَّنْكِيلُ بِالابْنِ الأَكْبَرِ الَّذِي قَالَ بِشُمُوخٍ: "إِنَّنَا نَخْتَارُ المَوْتَ عَلَى أَنْ نُخَالِفَ شَرِيعَةَ آبَائِنَا". فَاشْتَاطَ المَلِكُ غَضَبًا، وَأَمَرَ بِتَقْطِيعِ أَعْضَائِهِ وَسَلْخِ جِلْدِ رَأْسِهِ وَقَلْيِهِ فِي المِرْجَلِ وَهُوَ حَيٌّ، أَمَامَ أَنْظَارِ إِخْوَتِهِ وَأُمِّهِ. تَتَالَتْ المَشَاهِدُ المُرَوِّعَةُ؛ فَالوَاحِدُ تِلْوَ الآخَرِ، كَانَ هَؤُلَاءِ الفِتْيَةُ يُسَاقُونَ إِلَى الذَّبْحِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقْذِفُ فِي وَجْهِ الطَّاغِيَةِ كَلِمَاتٍ تَهْرِسُ كِبْرِيَاءَهُ. قَالَ الثَّانِي: "إِنَّ مَلِكَ العَالَمِينَ سَيُقِيمُنَا لِحَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ". وَبَسَطَ الثَّالثُ يَدَيْهِ لِلْبَتْرِ قَائِلًا: "مِنَ السَّمَاءِ أُوتِيتُ هَذِهِ الأَعْضَاءَ، وَلِأَجْلِ شَرِيعَتِهِ أَبْذُلُهَا". الأُمُّ القِدِّيسَةُ: صَلَابَةُ الإِيمَانِ وَرِقَّةُ الحَنَانِ أَمَّا مَارْت شْمُونِي، فَقَدْ كَانَتْ أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ وَصْفٍ. وَقَفَتْ تُعَايِنُ فَلَذَاتِ كَبِدِهَا يُقْتَلُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، لَا بِعَيْنِ اليَأْسِ، بَلْ بِقَلْبٍ مُفْعَمٍ بِالرَّجَاءِ. كَانَتْ تَحُثُّهُمْ بِلُغَةِ آبَائِهِمْ، تَنْفُثُ فِي صُدُورِهِمْ بَسَالَةَ الرِّجَالِ، قَائِلَةً: "يَا بَنِيَّ، لَسْتُ أَنَا مَنْ مَنَحَكُمُ الرُّوحَ وَالحَيَاةَ، بَلْ خَالِقُ العَالَمِ الَّذِي سَيُعِيدُهَا إِلَيْكُمْ بِرَحْمَتِهِ". وَعِنْدَمَا وَصَلَ الدَّوْرُ إِلَى "الأَصْغَرِ"، حَاوَلَ المَلِكُ إِغْراءَهُ بِالمَنَاصِبِ وَالأَمْوَالِ، وَطَلَبَ مِنَ الأُمِّ أَنْ تُقْنِعَهُ بِالحَيَاةِ. فَانْحَنَتْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لِتَهْمِسَ فِي أُذُنِهِ: "يَا بُنَيَّ، ارْحَمْنِي أَنَا الَّتِي حَمَلَتْكَ وَأَرْضَعَتْكَ.. لَا تَخَفْ مِنْ هَذَا الجَلَّادِ، بَلْ كُنْ مُسْتَأْهِلًا لِإِخْوَتِكَ لِأَتَلَقَّاكَ مَعَهُمْ فِي الرَّحْمَةِ". فَمَاتَ الغُلَامُ بَطَلًا، وَتَبِعَتْهُ أُمُّهُ لِتُكَلَّلَ مَعَهُمْ بِأَكَالِيلِ المَجْدِ. الإِرْثُ الرُّوحِيُّ وَالأُعْجُوبَةُ المُسْتَمِرَّةُ تَحْتَفِلُ الكَنِيسَةُ السُّرْيَانِيَّةُ الأُرْثُوذُكْسِيَّةُ بِتَذْكَارِهِمْ فِي خَامِسَ عَشَرَ تِشْرِينَ الأَوَّلِ مِنْ كُلِّ عَامٍ. وَيُؤْمِنُ الكَثِيرُونَ، حَسَبَ التَّقْلِيدِ الأَنْطَاكِيِّ، أَنَّ مَكَانَ اسْتِشْهَادِهِمْ كَانَ فِي "أَنْطَاكِيَةَ" نَفْسِهَا. وَمِمَّا يُرْوَى عَنْ بَرَكَةِ هَذِهِ القِدِّيسَةِ، مَا يَحْدُثُ فِي كَنِيسَتِهَا بِتُخُومِ "قَرَقُوش" فِي العِرَاقِ، حَيْثُ تَتَجَلَّى أَطْيَافٌ نُورَانِيَّةٌ مُلَوَّنَةٌ عَلَى جُدْرَانِ المَذْبَحِ أَثْنَاءَ الذَّبِيحَةِ الإِلَهِيَّةِ، رَآهَا الآلَافُ كَإِشَارَةٍ رَبَّانِيَّةٍ عَلَى مَقَامِ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ. إِنَّ كَنِيسَةَ "مَارْت شْمُونِي" فِي آزَخ، وَإِنْ غَابَتْ حِجَارَتُهَا، فَإِنَّ سِيرَةَ الصُّمُودِ الَّتِي تَمَثَّلَتْ فِيهَا - سَواءً فِي قِصَّةِ شْمُونِي أَوْ فِي نِضَالِ الخُورِي يُوسُف بِيْلَان - سَتَبْقَى مَحْفُورَةً فِي سِجِلِّ الخُلُودِ. نَفَحَاتٌ مِنَ الكَرَامَاتِ: عَدْلُ السَّمَاءِ فِي أَرْضِ المَقْدِسِ لَمْ تَكُنْ "مَارْت شْمُونِي" مُجَرَّدَ أَطْلَالٍ صَامِتَةٍ بَعْدَ هَدْمِهَا، بَلْ ظَلَّتْ رُوحَانِيَّتُهَا حَارِسَةً لِكُلِّ حَجَرٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَمُرْهِبَةً لِكُلِّ مَنْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ الِاجْتِرَاءَ عَلَى حُرْمَتِهَا. وَفِي هَذَا المَقَامِ، يَنْقُلُ لَنَا المَلْفُونُو يَعْقُوب تُومَا (أَبُو رَئيف) -نَجْلُ الخُورِي يُوسُف بِيْلَان- وَاقِعَةً جَرَتْ فَصُولُهَا فِي آزِخ: قُدْسِيَّةُ المَكَانِ وَعَدْلُ السَّمَاءِ: مَلْحَمَةُ "سَفْرِهْ" وَبِيْعَةِ مَارْت شْمُونِي لَمْ تَكُنْ كَنِيسَةُ "مَارْت شْمُونِي" فِي آزَخ مُجَرَّدَ بِنَاءٍ مِنَ الحَجَرِ يُقَاوِمُ الِانْدِثَارَ، بَلْ كَانَتْ رُوحًا سَاهِرَةً تَحْرُسُ ذِكْرَاهَا وَتَذُودُ عَنْ كَرَامَتِهَا. وَفِي هَذَا المَقَامِ، نَسْتَحْضِرُ شَهَادَةً حَيَّةً تَرْوِي لَنَا قِصَّةَ السَّيِّدَةِ الفَاضِلَةِ "سَفْرِهْ"، الِابْنَةِ الثَّانِيَةِ لِلمَرْحُومِ الخُورِي يُوسُف بِيْلَان. كَانَتْ "سَفْرِهْ" -أَرْمَلَةُ المَرْحُومِ أَفْرَام ابْنِ أَيْشُوع بَيْتِ قَس عِيسَى، وَأُمُّ الأَوْلَادِ السِّتَّةِ- مِثَالاً لِلْمَرْأَةِ السُّرْيَانِيَّةِ المُؤْمِنَةِ، فَقَدْ كَانَتْ مُرَتِّلَةً صَدَّاحَةً فِي جَوْقَةِ آزَخ، يَمْتَلِئُ قَلْبُهَا بِتَقْوَى عَمِيقَةٍ وَغَيْرَةٍ مُقَدَّسَةٍ عَلَى بُيُوتِ اللهِ. فِي أَحَدِ أَيَّامِ الخَمْسِينِيَّاتِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ "سَفْرِهْ" قَافِلَةً مِنْ رِحَانِ "إِسْفَس"، اسْتَوْقَفَهَا مَشْهَدٌ أَثَارَ لَوْعَتَهَا، إِذْ وَجَدَتْ رَجُلاً مِنَ الأَكْرَادِ يَعْمَدُ إِلَى نَقْلِ حِجَارَةِ بِيْعَةِ "مَارْت شْمُونِي" المَهْدُومَةِ، لِيَبْنِيَ بِهَا سُورًا لِبَيْتِهِ المُحَاذِي لِلْكَنِيسَةِ مِنَ الجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ. تَقَدَّمَتْ نَحْوَهُ بِحَزْمِ المُؤْمِنِ وَقَالَتْ: "لِمَاذَا تَسْرِقُ حِجَارَةَ الكَنِيسَةِ؟ كُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّنِي سَأُخْبِرُ وَالِدِي القَسَّ لِيَشْتَكِيَ عَلَيْكَ لِمَا اقْتَرَفْتَ". فَمَا كَانَ مِنَ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ تَبَاهَى بِظُلْمِهِ، وَرَدَّ عَلَيْهَا بِاسْتِهْزَاءٍ مَرِيرٍ: "اذْهَبِي أَنْتِ وَبِيْعَتُكِ، وَقُولِي لِأَبِيكِ مَا شِئْتِ!". حِينَئِذٍ، وَقَفَتْ "سَفْرِهْ" أَمَامَ بَقَايَا جُدْرَانِ البِيْعَةِ، وَقَدْ تَمَلَّكَتْهَا جَذْوَةٌ مِنَ الغَضَبِ الإِلَهِيِّ، فَرَفَعَتْ بَصَرَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَنَادَتْ صَاحِبَةَ المَقَامِ: "يَا مَارْت شْمُونِي، أَنْزِلِي نَارًا مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِ وَعَلَى بَيْتِهِ.. عَسَى أَنْ لَا يَمُرَّ المَسَاءُ إِلَّا وَقَدْ أُطْفِئَتْ عَيْنُ الظُّلْمِ فِيهِ!". وَيَا لَعَدْلِ اللهِ الَّذِي لَا يَنْهَزِمُ؛ فَمَا كَادَتْ خُيُوطُ المَسَاءِ تَلُوحُ فِي الأُفُقِ، حَتَّى انْشَقَّ عَنِ السَّمَاءِ بَرْقٌ خَاطِفٌ، انْقَضَّ كَالصَّاعِقَةِ عَلَى ذَلِكَ البَيْتِ المَبْنِيِّ بِالحَجَرِ المَغْصُوبِ. لَمْ يَطُلِ الوَقْتُ حَتَّى اشْتَعَلَتِ النِّيرَانُ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ، وَفَقَدَ الرَّجُلُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَرْبَعَةً مِنْ أَبْنَائِهِ، لِتَكُونَ صَرْخَةُ "سَفْرِهْ" وَنَقْمَةُ "مَارْت شْمُونِي" دَرْسًا قَاسِيًا لِكُلِّ مَنْ تَجَرَّأَ عَلَى حُرْمَةِ المَقَادِسِ. لَقَدْ نَقَلَتْ "سَفْرِهْ" هَذِهِ الوَاقِعَةَ لِوَالِدِهَا الخُورِي يُوسُف، لِتَبْقَى هَذِهِ الحَادِثَةُ مَحْفُورَةً فِي أَدَبِ آزَخ الشَّفَهِيِّ، وَشَاهِدَةً عَلَى أَنَّ لِلبِيْعَةِ رَبًّا يَحْمِيهَا، وَأَنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ وَالغَيُورِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ. يُتْبَعُ... |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|