قِرَاءَةٌ فِي المثلِ الشّعبِي الآزخِيّ [إلْحَقْ البُومْ، تِيْدِلِّكْ عَالخَرَابْ] ب
قِرَاءَةٌ فِي المثلِ الشّعبِي الآزخِيّ
[إلْحَقْ البُومْ، تِيْدِلِّكْ عَالخَرَابْ]
بقلم: فؤاد زاديكي
«يُعدُّ المَثَلُ الشَّعبيُّ والآزخيُّ القَديمُ: «اِلْحَقِ البُومْ، تِيدِلِّكْ عَالخَرَابْ»، مِرآةً صَافيةً لِحِكمةِ الأَسلافِ وفَراستِهِم في نَقْدِ السُّلوكِ البَشريِّ وتَحليلِ مآلاتِ الاتِّباعِ، فالمَثَلُ في بِناتِ لَفْظِهِ يَستدعي صُورةَ "البُومِ" التي استقرَّتْ في الوِجدانِ الجَمْعِيِّ رَمزًا لِلعُزْلَةِ والوَحْشَةِ، إذْ لا يَتَّخِذُ هَذا الطَّائِرُ مُستقَرًّا لَه إلّا في بَقايا العُمْرانِ ونَواحي المَهجورِ مِن الدِّيارِ، ومِن هُنا تَتجاوزُ دَلالةُ المَثَلِ الرَّبطَ المَكانيَّ بَينَ الطَّائِرِ وطَبيعةِ مَسكنِهِ لِتُصِيغَ قاعِدةً مَنْطِقيَّةً بَليغةً؛ فمَنْ جَعَلَ الغاوِيَ دَليلًا، والجاهِلَ مُرشِدًا، أوِ ائْتَمَنَ مَنْ لا حِكمةَ عِندَهُ، فَقَدْ حَكَمَ على سَعْيِهِ بالبَوَارِ، إذْ يَنْطوي المَثَلُ على تَحذيرٍ جَليٍّ مِن "سُوءِ الاخْتِيارِ" والاغترارِ بالمَظاهرِ، مُؤكِّدًا أنَّ النَّتيجةَ هي الثَّمَرةُ الحَتْميَّةُ لِلمُقدِّماتِ، فَمَنِ اقْتَفَى أثَرَ مَنْ لا يُفلِحُ، فَلَنْ يَجنيَ إلا الخَيْبَةَ والفَشلَ، ويُضرَبُ هَذا المَثَلُ في مَقاماتِ التَّوجيهِ والزَّجْرِ، لا سِيَّما عِندَ نَقْدِ القُدوةِ السَّيِّئةِ أوِ التَّحذيرِ مِن الانْقِيادِ خَلْفَ أصْحابِ العُقولِ الخَفيفةِ والنِّيَّاتِ الفاسِدةِ، كَما يُقالُ في مَقامِ التَّنبيهِ بَأنَّ السَّيرَ في طَريقٍ مَعوجٍّ لا يُمكنُ أنْ يُفضيَ إلى غايةٍ مُستقيمةٍ، ولَقَدْ نَشأَ هَذا المَثَلُ في كَنَفِ البِيئةِ الآزخيَّةِ العَريقةِ حيثُ تَمزجُ الذَّاكِرةُ بَينَ الواقِعِ الطَّبيعيِّ لِلقُرى والسَّحابِ التاريخيِّ لِلأطلالِ، فَصارَ البُومُ أداةً مَجازيَّةً لِقياسِ الرِّجالِ ومواقفِهِم، فكَما أنَّ طَبيعةَ البُومِ لا تَتغيَّرُ في هِدايةِ تابِعِهِ إلى القَفارِ، فإنَّ مَعادِنَ النَّاسِ لا تَتغيَّرُ في إيرادِ مَنْ يَتبعُهُم مَوارِدَ الهَلاكِ، لِيَبقى المَثَلُ شاهِدًا على بَصيرةِ البُسطاءِ الذينَ صاغوا مِن مُراقبةِ الطَّيْرِ دَرْسًا وُجودِيًّا يَقُولُ: مَنْ لَحِقَ البُومَ... فَلا يَنْتَظِرْ إلّا الخَرابَ».
ونقولُ في لهجتِنا: بُومُو، بمعنَى أنتَ أشبَهُ ما تكونُ بالبُومِ. أي: يا بُوم. وَالبُومُ دَلِيلُ الشُّؤمِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|