![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
كَنَعَانُ الجُذُورُ الأُولَى لِحَضَارَاتِ المَشْرِقِ بِقَلَمِ: الباحث والمؤرخ فُؤَادِ زَادِيكِي مُنْذُ فَجْرِ التَّارِيخِ، حِينَ بَدَأَتْ أَوْلَى مَلَامِحُ العُمْرَانِ البَشَرِيِّ تَتَشَكَّلُ فِي المَشْرِقِ القَدِيمِ، بَرَزَ اسْمُ كَنَعَانَ بُوصْفِهِ أَحَدَ أَقْدَمِ الأَسْمَاءِ الَّتِي أُطْلِقَتْ عَلَى رِقْعَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ احْتَضَنَتْ حَضَارَاتٍ مُبَكِّرَةٍ كَانَ لَهَا أَثَرٌ بَالِغٌ فِي مَسَارِ الإِنْسَانِيَّةِ. وَظَهَرَ هَذَا الاسْمُ فِي نُصُوصٍ تَعُودُ إِلَى الأَلْفِيَّةِ الثَّالِثَةِ قَبْلَ المِيلَادِ فِي مُدُونَاتِ مُدُنٍ مُزْدَهِرَةٍ مِثْلَ إِيبْلَا، حَيْثُ اسْتُخْدِمَ لِلِدَّلَالَةِ عَلَى أَرْضٍ عَامِرَةٍ بِالشُّعُوبِ السَّامِيَّةِ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ فِيهَا وَالَّتِي عُرِفَتْ لَاحِقًا بِالْكَنَعَانِيِّينَ. لَمْ يَكُنِ الكَنَعَانِيُّونَ شَعْبًا وَاحِدًا ذَا كِيَانٍ سِيَاسِيٍّ مُوَحَّدٍ، بَلْ كَانُوا نَسِيجًا مُتَنَوِّعًا مِنَ الجَمَاعَاتِ الَّتِي تَوَزَّعَتْ فِي مُدُنٍ مُسْتَقِلَّةٍ ازْدَهَرَتْ فِي الدَّاخِلِ وَالسَّاحِلِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، مِثْلَ أَرِيحَا وَأُوغَارِيت، وَنَشَأَتْ هَذِهِ الجَمَاعَاتُ نَتِيجَةَ تَفَاعُلٍ طَوِيلٍ بَيْنَ سُكَّانٍ مَحَلِّيِّينَ قُدَمَاءٍ وَمَوْجَاتٍ مِنَ الشُّعُوبِ السَّامِيَّةِ القَادِمَةِ مِنْ مَنَاطِقَ مِثْلِ شِبْهِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، مَا أَفْضَى إِلَى تَكْوِينِ حَضَارَةٍ ذَاتِ طَابَعٍ مُمَيَّزٍ جَمَعَ بَيْنَ الاسْتِقْرَارِ الزِّرَاعِيِّ وَالنَّشَاطِ التِّجَارِيِّ، وَتَشْهَدُ نُقُوشُ الأَلْوَاحِ وَالمَعَابِدُ وَالأَثَرَةُ التَّجَارِيَّةُ عَلَى وَثَاقٍ مُتِينٍ مَعَ مِصْرَ وَبِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، حَيْثُ أُقِيمَتْ طُرُقٌ بَحْرِيَّةٌ وَتِجَارِيَّةٌ عَبْرَ المَشْرِقِ وَشَجَّعَتْ عَلَى تَبَادُلِ السِّيَاحَاتِ وَالثَّقَافَاتِ. فِي هَذِهِ البِيئَةِ تَطَوَّرَتِ اللُّغَةُ الكَنَعَانِيَّةُ، وَهِيَ إِحْدَى اللُّغَاتِ السَّامِيَّةِ الَّتِي سَتُصْبِحُ لاحِقًا أَسَاسًا لِعَدَدٍ مِنَ اللُّغَاتِ المُهِمَّةِ فِي المُنْطَقَةِ. وَمَعَ مَرُورِ الزَّمَنِ، وَخَاصَّةً فِي حُدُودِ القَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ قَبْلَ المِيلَادِ، بَرَزَ عَلَى السَّاحِلِ الكَنَعَانِيِّ فَرْعٌ مُتَمَيِّزٌ مِنْ هَذِهِ الشُّعُوبِ عُرِفَ لَاحِقًا بِاسْمِ الفِينِيقِيِّينَ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ مُدُنٍ مِثْلِ صُورَ وَصَيْدَا مَرَاكِزَ لانطِلاقِهِمْ البَحْرِيِّ، وَتَمَيَّزُوا بِمَهَارَتِهِم الفَائِقَةِ فِي المُلاَحَةِ وَالتِّجَارَةِ، فَشَقُّوا طُرُقَهُمْ عَبْرَ البَحْرِ المُتَوَسِّطِ، وَأَسَّسُوا مُسْتَعْمَرَاتٍ بَعِيدَةٍ كَانَ مِنْ أَشْهَرِهَا قَرْطَاج. وَلَمْ يَكُنْ إِنْجَازُهُمْ مُقْتَصِرًا عَلَى التِّجَارَةِ فَحَسْبٍ، بَلْ اِمْتَدَّ أَيْضًا إِلَى تَطْوِيرِ الأَبْجَدِيَّةِ الَّتِي سَتَنْتَقِلُ إِلَى اليُونَانِ القَدِيمَةِ، وَمِنْهَا إِلَى العَالَمِ، لِتُصْبِحَ أَحَدَ أَعْمِدَةِ الحَضَارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ. فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، أَوْ بَعْدَهُ قَلِيلًا، ظَهَرَتْ فِي نَفْسِ البِيئَةِ الكَنَعَانِيَّةِ جَمَاعَةٌ أُخْرَى عُرِفَتْ بِالعِبْرَانِيِّينَ، الَّذِينَ ارْتَبَطَ ذِكْرُهُمْ لاحِقًا بِنُصُوصٍ دِينِيَّةٍ مِثْلَ الكِتَابِ المُقَدَّسِ. وَتُشِيرُ الشَّوَاهِدُ إِلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا غُرَبَاءَ تَمَامًا عَنِ السِّيَاقِ الكَنَعَانِيِّ، بَلْ نَشَأُوا دَاخِلَهُ أَوْ تَأَثَّرُوا بِهِ بَعُمقٍ، سَوَاءً مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ أَوِ الثَّقَافَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَمَيَّزُوا بِتَطَوُّرٍ دِينِيٍّ مُخْتَلِفٍ، تَمَثَّلَ فِي الاِنْتِقَالِ نَحْوَ التَّوْحِيدِ، فِي مُقَابِلِ التَّعَدُّدِ الدِّينِيِّ الَّذِي كَانَ سَائِدًا لَدَى الكَنَعَانِيِّينَ، الَّذِينَ عَبَدُوا آلهَةً مُتَعَدِّدَةً مِثْلَ بَعْل. وَعَلَى صَعِيدٍ آخَرَ، شَهِدَتِ السَّوَاحِلُ الفِلَسْطِينِيَّةُ ظُهُورَ جَمَاعَاتٍ بَحْرِيَّةٍ تُعْرَفُ فِي النُّصُوصِ المِصْرِيَّةِ بِاسْمِ شُعُوبِ البَحْرِ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّ بَعْضَهُمْ جَاءَ مِنْ مَنَاطِقِ بَحْرِ إِيْجَه وَاليُونَانِ القَدِيمَةِ، وَتَحَرَّكُوا عَبْرَ البَحْرِ نَحْوَ شَرْقِ المُتَوَسِّطِ فِي مُحَاوَلَاتٍ لِاحْتِلَالِ سَوَاحِلِ لُبْنَانَ وَسُورِيَا وَحَتَّى مِصْرَ. وَاسْتَقَرَّ هَؤُلاَءِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْهُمْ، فِي جَنُوبِ السَّاحِلِ الفِلَسْطِينِيِّ وَأَسَّسُوا مُدُنًا مِثْلَ غَزَّةَ وَأَشْدُودَ وَعَسْقَلَانَ، وَعُرِفُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِاسْمِ الفِلَسْطِينِيِّينَ. وَخَاضَ الفِلَسْطِينِيُّونَ صِرَاعَاتٍ مُتَكَرِّرَةً مَعَ العِبْرَانِيِّينَ، وَلَكِنْ مِنَ المَهْمُومِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الفِلَسْطِينِيِّينَ القُدَمَاءَ وَالفِلَسْطِينِيِّينَ المُعَاصِرِينَ، فَالآخِرُونَ هُمْ امْتِدَادٌ لِسُكَّانِ المِنْطِقَةِ عَلَى مَرِّ آلَافِ السِّنِينَ، مَعَ اخْتِلَاطٍ وَرَاثِيٍّ وَثَقَافِيٍّ مُتَعَدِّدٍ، وَلَا يُعْتَبَرُونَ نُسْخَةً مُطَابِقَةً لِلْفِلَسْطِينِيِّينَ أَوِ الكَنَعَانِيِّينَ فَقَطْ. وَقَدْ شَهِدَتْ هَذِهِ الأَرْضُ تَفَاعُلاتٍ مُعَقَّدَةً بَيْنَ هَذِهِ المُكَوِّنَاتِ؛ الكَنَعَانِيُّونَ كَأَصْلٍ، وَالفِينِيقِيُّونَ كَامْتِدَادٍ بَحْرِيٍّ وَتِجَارِيٍّ لَهُمْ، وَالعِبْرَانِيُّونَ كَجَمَاعَةٍ تَطَوَّرَتْ دَاخِلَ هَذَا النَّسِيجِ الحَضَارِيِّ وَاتَّخَذُوا مَسَارًا دِينِيًّا مُغَايِرًا، فَضْلًا عَنِ الفِلَسْطِينِيِّينَ الَّذِينَ أَضَافُوا بُعْدًا بَحْرِيًّا وَغَزَوِيًّا عَلَى السَّاحِلِ. وَلَمْ تَكُنِ العَلاقَةُ بَيْنَهُمْ مَحْصُورَةً فِي الصِّرَاعِ فَقَطْ، بَلْ شَمِلَتْ أَيْضًا التَّدَاخُلَ وَالتَّأثِيرَ المُتَبَادَلَ، وَهُوَ مَا تُؤَكِّدُهُ اللُّغَاتُ المُتَقَارِبَةُ وَالآثَارُ المُشْتَرَكَةُ. وَعِنْدَ فَتْحِ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلَى يَدِ الخَلِيفَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي عَامِ 637 م، بَدَأَتْ مَوْجَاتٌ مِنَ الهِجْرَةِ العَرَبِيَّةِ إِلَى فِلَسْطِين، وَجَاءَ هَؤُلاَءِ مِنْ أَقْطَارٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ وَمِنْ مَنَاطِقَ عَرَبِيَّةٍ أُخْرَى. هَؤُلاَءِ المُهَاجِرُونَ العَرَبُ جَاءُوا بَعْدَ الفَتْحِ الإِسْلَامِيِّ وَلَيْسُوا جُزْءًا مُبَاشِرًا مِنَ الكَنَعَانِيِّينَ أَوِ الفِلَسْطِينِيِّينَ القُدَمَاءَ، وَعَبْرَ القُرُونِ اخْتَلَطُوا مَعَ السُّكَّانِ المَحَلِّيِّينَ، مَا أَدَّى إِلَى تَكْوِينِ التَّرْكِيبَةِ السُّكَّانِيَّةِ المُعَاصِرَةِ لِلْفِلَسْطِينِيِّينَ، وَتَأَثَّرُوا فِي ذَلِكَ بِالحُكْمِ الإِسْلَامِيِّ، وَالصَّلِيبِيِّ، وَالعُثْمَانِيِّ، وَمُخْتَلَفِ الاِحْتِلَالَاتِ. وَهَكَذَا، لَمْ تَكُنْ كَنَعَان مُجَرَّدَ اسْمٍ عَابِرٍ فِي سِجِلَّاتِ التَّارِيخِ، بَلْ كَانَ مَهْدًا لِحَضَارَاتٍ أَسْهَمَتْ فِي تَشْكِيلِ العَالَمِ القَدِيمِ، وَمِنْ خِلَالِهَا انْتَقَلَتْ أَفْكَارٌ وَلُغَاتٌ وَأَنْمَاطُ حَيَاةٍ مَا زَالَتْ آثَارُهَا حَاضِرَةً حَتَّى اليَوْمِ. إِنَّهَا قِصَّةُ أَرْضٍ أَنْجَبَتْ شُعُوبًا مُتَعَدِّدَةً، لَكِنَّهَا اشْتَرَكَتْ جَمِيعًا فِي صِيَاغَةِ وَاحِدَةٍ مِنْ أَقْدَمِ صَفَحَاتِ الحَضَارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ وَأَكْثَرِهَا تَأثِيرًا، وَأَضَافَتْ أَيضًا بُعْدًا فَنِّيًّا وَهَنْدَسِيًّا وَتِجَارِيًّا لِتَكُونَ عَامِلَ رَبْطٍ بَيْنَ البَحْرِ وَالدَّاخِلِ، وَشَاهِدًا عَلَى غِنَى التَّرَاثِ الإِنْسَانِيِّ فِي المَشْرِقِ القَدِيمِ. التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; اليوم الساعة 07:33 AM |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|