ملحق طفولتنا ٥ مَلَامِحُ مِنْ زَمَنِ الدِّرَاسَةِ وَأَمْجَادِ مَدْرَسَةِ "دِجْلَة" كَ
ملحق طفولتنا
٥
مَلَامِحُ مِنْ زَمَنِ الدِّرَاسَةِ وَأَمْجَادِ مَدْرَسَةِ "دِجْلَة"
كَانَتْ بَاحَةُ المَدْرَسَةِ هِيَ الفَضَاءُ الأَرْحَبُ الَّذِي يَحْتَضِنُ أَحْلَامَنَا الصَّغِيرَةَ، وَعَالَمَنَا الأَثِيرَ الَّذِي نَنْسِجُ فِيهِ حِكَايَاتِ الطُّفُولَةِ البَاكِرَةِ. هُنَاكَ، وَفِي غَمْرَةِ "الفُرَصِ" المَدْرَسِيَّةِ، كُنَّا نُحَوِّلُ ذَلِكَ المَدَى إِلَى مَسْرَحٍ يَعِجُّ بِالنَّشَاطِ وَالحَرَكَةِ، حَيْثُ تَتَعَدَّدُ الأَلْعَابُ وَتَتَبَايَنُ الهِوَايَاتُ. لَمْ يَكُنْ مُعَلِّمُونَا القُدَامَى مُجَرَّدَ مُلَقِّنِينَ لِلمَعَارِفِ، بَلْ كَانُوا بَنَاةً لِلنُّفُوسِ، يَبْذُلُونَ قُصَارَى جُهْدِهِمْ لِنَكُونَ فِي طَلِيعَةِ الرَّكْبِ، وَلِنَنْزِعَ قَصَبَ السَّبْقِ دَائِمًا أَمَامَ أَقْرَانِنَا فِي المَدَارِسِ الأُخْرَى.
وَلَعَلَّ مَادَّةَ "اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ" كَانَتْ مَيْدَانَنَا الأَبْرَزَ وَعِشْقَنَا الأَسْمَى؛ فَكُنَّا نَقْتَطِعُ مِنْ أَوْقَاتِ رَاحَتِنَا خَارِجَ نِطَاقِ الدَّوَامِ الرَّسْمِيِّ لِنَخُوضَ غِمَارَ مُنَافَسَاتٍ حَامِيَةِ الوَطِيسِ فِي فُنُونِ الشِّعْرِ وَقَوَاعِدِ الإِعْرَابِ وَالنَّحْوِ. كُنَّا نَنْدَفِعُ نَحْوَ هَذِهِ المُبَارَيَاتِ بِحَمَاسٍ مُنْقَطِعِ النَّظِيرِ، وَبِوَلَهٍ صَادِقٍ يَسْتَبِدُّ بِقُلُوبِنَا. وَمَا زَالَتْ ذَاكِرَتِي تَحْتَفِظُ بِصُوَرِ المُنَافِسِينَ الأَشِدَّاءِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهِمْ "جَمَال فِقِه"، ذَلِكَ الشَّابُّ الَّذِي كَانَ يَفِيضُ حُبًّا لِلُّغَةِ الضَّادِ، وَيُشْعِلُ فِينَا رُوحَ التَّحَدِّي الشَّرِيفِ.
وَفِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى مِنَ البَاحَةِ، كَانَ المَرْحُومُ "حَنَّا شِيعَا" يَتَسَيَّدُ المَشْهَدَ الرِّيَاضِيَّ، فَقَدْ كَانَ فِي عِنَاقٍ أَبَدِيٍّ مَعَ كُرَةِ القَدَمِ، يُدَاعِبُهَا بِمَهَارَةٍ فَائِقَةٍ وَيَتَلَاعَبُ بِهَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ، بَيْنَمَا نُسَارِعُ نَحْنُ التَّلَامِيذُ بِفَرَحٍ غَامِرٍ لِجَلْبِهَا لَهُ كُلَّمَا قَذَفَهَا بَعِيدًا فِي فَضَاءِ المَدْرَسَةِ. لَمْ تَقْتَصِرْ أَنْشِطَتُنَا عَلَى ذَلِكَ، بَلْ شَهِدَتِ السَّاحَاتُ مُبَارَيَاتٍ فِي كُرَةِ الطَّائِرَةِ، وَسِبَاقَاتِ الجَرْيِ، وَأَلْعَابًا تُرَاثِيَّةً لَا تَمْحُوهَا الأَيَّامُ مِثْلَ لُعْبَةِ "الرَّقَمِ"، وَ"طَاق طَاق طَاقِيَّة"، وَاللُّعْبَةِ الشَّهِيرَةِ "فَاصَارَا" (شَعِير ضَرِب كْتِير)، وَغَيْرِهَا مِنَ الأَلْعَابِ الَّتِي صَقَلَتْ أَبْدَانَنَا وَأَرْوَاحَنَا.
إِنَّ الحَدِيثَ عَنْ مَدْرَسَةِ "الدِّجْلَةِ" الخَاصَّةِ لِلسُّرْيَانِ الأُرْثُوذُكْسِ يَسْتَحْضِرُ قَامَاتٍ تَرْبَوِيَّةً شَامِخَةً، نَقَشَتْ أَسْمَاءَهَا فِي وِجْدَانِنَا بِمِدَادٍ مِنَ النُّورِ. نَذْكُرُ مِنْهُمْ بِكُلِّ إِجْلَالٍ: يَعْقُوب تُومَا، جَمِيل يَعْقُوب گَبْرَه، كَرِيم بَيْطَار، تُومَا رِزْقُو مَحْبُوبَه، وَحَنَّا شِيعَا. كَمَا نَسْتَذْكِرُ شُكْرِي مُرَاد (ابْنَ خَالِ الخُورِي فِي حَلَبَ حَالِيًّا) وَرَفِيقَةَ دَرْبِهِ فِيمَا بَعْد السَّيِّدَةَ شُكْرِيَّة سُلَيْمَان وَرْدَه، وَكَذَلِكَ الفَاضِلَاتِ: كَرِيمَة إِيشُوع، نَعِيمَة شَمْعُون (شِمْعِه)، مَلْكِي عِيسَى وَرْدَه، أَفْرَام شَاهِين، لَحْدُو اسْحَق، وَآخَرِينَ مِمَّنْ أَفْنَوْا زَهْرَةَ شَبَابِهِمْ فِي سَبِيلِ تَنْشِئَةِ الأَجْيَالِ.
أَمَّا "التَّنْظِيمُ الكَشْفِيُّ" فِي مَدْرَسَةِ السُّرْيَانِ، فَقَدْ كَانَ حِكَايَةً أُخْرَى مِنَ التَّفَوُّقِ وَالنِّظَامِ. لَقَدْ كَانَ كَشَّافُنَا يَخْطَفُ الأَنْظَارَ، وَيَحْتَلُّ المَرَاكزَ الأُولَى دَائِمًا، سِيَّمَا فِي المَسِيرَاتِ الوَطَنِيَّةِ وَالمُنَاسَبَاتِ الدِّينِيَّةِ الكُبْرَى، كَاسْتِقْبَالِ البَطَارِكَةِ وَالمَفَارِنَةِ وَرِجَالِ الدَّوْلَةِ الزَّائِرِينَ لِـ "دِيرِيك". كَانَ هَذَا التَّمَيُّزُ ثَمَرَةَ الهِمَّةِ العَالِيَةِ وَالنَّشَاطِ الدَّؤُوبِ لِلأُسْتَاذِ حَنَّا شِيعَا، وَبِفَضْلِ تَفَانِي المَسْؤُولِينَ مِنْ أَبْنَاءِ المَدْرَسَةِ وَالطَّائِفَةِ، الَّذِينَ جَعَلُوا مِنْ كَشَّافِ السُّرْيَانِ رَمْزًا لِلانْضِبَاطِ وَالفَخَارِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|