![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
سُقَيْلَبِيَّةٌ فِي النَّارِ
بِقَلَمِ: فُؤَاد زَادِيكِي فِي قَلْبِ رِيفِ حَمَاةَ السُّورِيِّ، بَيْنَ حُقُولِ الْقَمْحِ وَالْحِمُّصِ، وَبَيْنَ الْجِبَالِ الصَّغِيرَةِ الْمَكْسُوَّةِ بِأَلْوَانِ الشِّتَاءِ الْبَاهِتَةِ، تَقَعُ بَلْدَةُ السُّقَيْلَبِيَّةِ. الْبَلْدَةُ صَغِيرَةُ الْحَجْمِ، لَكِنَّهَا كَبِيرَةٌ بِالرُّوحِ، كَبِيرَةٌ بِتَارِيخِهَا الْمَسِيحِيِّ الْعَرِيقِ، وَبِجُذُورِهَا، الَّتِي تَمْتَدُّ لِقُرُونٍ، شَاهِدَةٌ عَلَى أَجْيَالٍ لَمْ تَهْزِمْهَا الْحُرُوبُ وَلَا الْفِتَنُ. الْأَزِقَّةُ هُنَاكَ ضَيِّقَةٌ وَمُتَعَرِّجَةٌ، تَصْطَفُّ عَلَى جَانِبَيْهَا مَنَازِلُ حَجَرِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، نَوَافِذُهَا الْخَشَبِيَّةُ تَتَقَشَّرُ مِنَ الشَّمْسِ وَالرِّيَاحِ، وَجُدْرَانُهَا تَحْمِلُ نُدُوبَ الزَّمَنِ، كَأَنَّ كُلَّ حَجَرٍ فِيهَا يَرْوِي قِصَّةَ صُمُودٍ. وَفِي كُلِّ زَاوِيَةٍ تَقْرِيبًا تَرْتَفِعُ قُبَبُ الْكَنَائِسِ، شَاهِدَةٌ صَامِتَةٌ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالِاحْتِفَالَاتِ وَالْأَحْزَانِ، وَعَلَى أَفْرَاحِ السُّكَّانِ وَأَتْرَاحِهِمْ، وَعَلَى صُمُودِ مُجْتَمَعٍ عَرَفَ مَعْنَى التَّعَايُشِ وَالصَّبْرِ. كَانَتِ الْبَلْدَةُ وَاحَةَ هُدُوءٍ، حَيْثُ الْأَطْفَالُ يَلْعَبُونَ فِي الْأَزِقَّةِ يَرْكُضُونَ خَلْفَ الْكُرَةِ، وَضَحِكَاتُهُمْ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْبُيُوتِ، بَيْنَمَا يَبِيعُ الْبَاعَةُ الْخُضَارَ وَالْفَوَاكِهَ الطَّازَجَةَ عَلَى الْأَرَصِفَةِ، وَتَنْتَشِرُ رَائِحَةُ الْخُبْزِ الطَّازَجِ مِنَ الْمَخَابِزِ الصَّغِيرَةِ. فِي الْكَنَائِسِ، كَانَتِ الْأَجْرَاسُ تُعْلِنُ عَنِ الصَّلَوَاتِ، وَالشُّمُوعُ تَتَلَأْلَأُ فِي الدَّاخِلِ، تَعْكِسُ نُورًا دَافِئًا عَلَى وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ، تَمْلَأُ الْمَكَانَ بِأُلْفَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ. كُلُّ شَيْءٍ هُنَا كَانَ يَنْبُضُ بِالْحَيَاةِ، كَأَنَّ الزَّمَنَ يَتَبَاطَأُ فِي السُّقَيْلَبِيَّةِ، وَكُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ يَحْمِلُ وَعْدًا بِالْأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ. وَلَكِنَّ كُلَّ هَذَا الْهُدُوءِ انْهَارَ تَدْرِيجِيًّا مُنْذُ الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ آذَارَ 2025، حِينَ وَقَعَ شِجَارٌ بَيْنَ شُبَّانِ الْبَلْدَةِ وَأَشْخَاصٍ جَاءُوا مِنْ مِنْطَقَةِ قَلْعَةِ الْمُضِيقِ عَلَى خَلْفِيَّةِ حَادِثَةِ تَحَرُّشٍ تَعَرَّضَتْ لَهَا فَتَاةٌ مِنَ السُّقَيْلَبِيَّةِ. الْحَادِثَةُ الْبَسِيطَةُ نِسْبِيًّا أَشْعَلَتْ فَتِيلَ الْعُنْفِ، وَتَسَارَعَتِ الْأَوْضَاعُ إِلَى مَوْجَةٍ أَعْرَضَ؛ فَوْضَى فِي الْأَزِقَّةِ وَالسَّاحَاتِ. تَقَدَّمَ الْمُعْتَدُونَ إِلَى قَلْبِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَتْنِ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الدَّرَّاجَاتِ النَّارِيَّةِ، يُطْلِقُونَ النَّارَ فِي الْهَوَاءِ لِتَرْهِيبِ السُّكَّانِ، وَيَسُبُّونَ بِعِبَارَاتٍ مُسِيئَةٍ، حَتَّى تَطَوَّرَتِ الْأَوْضَاعُ إِلَى أَعْمَالِ تَخْرِيبٍ مُنَظَّمَةٍ عَلَى الْمُمْتَلَكَاتِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ. النَّوَافِذُ تَتَحَطَّمُ، وَالْمَنَازِلُ تَتَعَرَّضُ لِلْخَرَابِ، وَالْمَحَلَّاتُ التِّجَارِيَّةُ تُنْهَبُ، وَالْأَزِقَّةُ الَّتِي كَانَتْ مَمَرَّاتِ حَيَاةٍ هَادِئَةٍ أَصْبَحَتْ مَسْرَحًا لِلْخَوْفِ وَالْفِرَارِ. وَلَمْ تَسْلَمِ الْكَنَائِسُ وَالْأَمَاكِنُ الدِّينِيَّةُ، فَقَدْ شَهِدَتْ أَعْمَالَ تَخْرِيبٍ مُتَعَمَّدَةٍ، وَأَصْبَحَتِ الرُّمُوزُ الدِّينِيَّةُ، الَّتِي كَانَتْ مَرْسًى لِلرُّوحَانِيَّةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، شَاهِدَةً عَلَى الْعُنْفِ وَالدَّمَارِ. كُلُّ زَاوِيَةٍ فِي الْبَلْدَةِ تَحْمِلُ أَثَرًا لِلِاعْتِدَاءِ: أَبْوَابٌ مَكْسُورَةٌ، نَوَافِذُ مُحَرَّقَةٌ، صُوَرٌ مُقَدَّسَةٌ مُمَزَّقَةٌ، وَقُلُوبٌ تَخَافُ عَلَى أَبْسَطِ مَظَاهِرِ حَيَاتِهَا الْيَوْمِيَّةِ. أَبْرَزُ مَا أَثَارَ الْقَلَقَ هُوَ الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْفَتَيَاتِ، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ الشَّوَارِعُ آمِنَةً، وَأَصْبَحَ كُلُّ خُرُوجٍ مِنَ الْمَنْزِلِ مَحْفُوفًا بِالْخَطَرِ. الصَّرَخَاتُ وَالْهَلَعُ خَلَقَا جَوًّا مِنَ الْفَزَعِ الْمُسْتَمِرِّ، وَأَجْبَرَ أَهَالِي الْبَلْدَةِ عَلَى إِعَادَةِ تَخْطِيطِ حَرَكَاتِهِمْ وَحِمَايَةِ أُسَرِهِمْ. خِلَالَ مَطْلَعِ 2025، تَصَاعَدَتِ الْأَحْدَاثُ وَأَصْبَحَ الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْمَنَازِلِ وَالْمَحَالِّ وَالْكَنَائِسِ أَكْثَرَ شِدَّةً، مَعَ اسْتِمْرَارِ إِطْلَاقِ النَّارِ وَتَرْوِيعِ الْأَهَالِي، حَيْثُ لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ بِمَنْأَى عَنِ الْخَطَرِ، وَتَحَوَّلَتِ الْأَزِقَّةُ وَالسَّاحَاتُ إِلَى مَشَاهِدَ مِنَ الرُّعْبِ وَالْفَوْضَى. وَفِي أُكْتُوبَرَ 2025، تَوَالَتِ الِاعْتِدَاءَاتُ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، حَيْثُ تَفَجَّرَتِ النِّزَاعَاتُ مُجَدَّدًا، وَازْدَادَتْ أَعْمَالُ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْرِيبِ، مَعَ تَصْعِيدٍ اسْتَهْدَفَ الْأَطْفَالَ وَالنِّسَاءَ، وَجَعَلَ الشَّوَارِعَ أَكْثَرَ خُطُورَةً. مَعَ حُلُولِ دِيسَمْبَرَ 2025، وَصَلَتْ أَعْمَالُ الْعُنْفِ ذُرْوَتَهَا خِلَالَ الِاحْتِفَالَاتِ السَّنَوِيَّةِ لِلْبَلْدَةِ، إِذْ دَخَلَ مُسَلَّحُونَ مَرَّةً أُخْرَى، أَطْلَقُوا النَّارَ، وَأَغْلَقُوا الشَّوَارِعَ، وَحَوَّلُوا الِاحْتِفَالَاتِ إِلَى لَحَظَاتِ رُعْبٍ وَفَزَعٍ، اخْتَلَطَ فِيهَا دُخَانُ النِّيرَانِ بِصُرَاخِ السُّكَّانِ. ثُمَّ جَاءَ مَارِسُ 2026، وَهُوَ الْفَصْلُ الْأَكْثَرُ ظُلْمَةً فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الطَّوِيلَةِ، حِينَ اجْتَاحَتْ مَجْمُوعَاتٌ مُسَلَّحَةٌ الْمَدِينَةَ، دَمَّرَتِ الْمَنَازِلَ، وَنَهَبَتِ الْمَحَلَّاتِ، وَتَعَرَّضَتْ أَبْرَزُ الرُّمُوزِ الدِّينِيَّةِ لِلتَّخْرِيبِ، لِتُصْبِحَ السُّقَيْلَبِيَّةُ كُلُّهَا تَحْتَ رَحْمَةِ الْعُنْفِ وَالْخَوْفِ الْمُسْتَمِرِّ. الْيَوْمَ، السُّقَيْلَبِيَّةُ لَيْسَتْ فَقَطْ مَكَانًا لِلْحَيَاةِ، بَلْ صَارَتْ رَمْزًا لِمُعَانَاةِ الْمَدَنِيِّينَ الْأَبْرِيَاءِ الَّذِينَ يُحَاولُونَ الصُّمُودَ فِي وَجْهِ الْخَطَرِ، وَتَذْكِيرًا بِقُوَّةِ التَّوَتُّرَاتِ الطَّائِفِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَنْدَلِعَ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ وَتَلْتَهِمَ حَيَاةَ النَّاسِ وَمُمْتَلَكَاتِهِمْ. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|