تَأَمُّلَاتٌ فِي تَطَوُّرِ الفِكْرِ الإِنْسَانِيِّ عَبْرَ الأَزْمَانِ بقلم: فؤاد زاد
تَأَمُّلَاتٌ فِي تَطَوُّرِ الفِكْرِ الإِنْسَانِيِّ عَبْرَ الأَزْمَانِ
بقلم: فؤاد زاديكي
يَتَجَلَّى الفِكْرُ الإِنْسَانِيُّ، عَبْرَ مَسِيرَتِهِ الطَّوِيلَةِ، فِي صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَعْكِسُ سَعْيَ الإِنْسَانِ الدَّائِمَ إِلَى فَهْمِ الوُجُودِ وَتَحْدِيدِ مَعْنَى الحَيَاةِ وَتَقْوِيمِ السُّلُوكِ. وَإِذَا رَتَّبْنَا أَبْرَزَ التَّقَالِيدِ الدِّينِيَّةِ وَالفَلْسَفِيَّةِ حَسَبَ أَقْدَمِيَّتِهَا، تَبَيَّنَ لَنَا كَيْفَ تَطَوَّرَ وَعْيُ الإِنْسَانِ مِنَ التَّفْسِيرَاتِ الكَوْنِيَّةِ وَالأُسْطُورِيَّةِ إِلَى النُّظُمِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ الأَكْثَرِ نُضْجًا وَتَرْكِيزًا.
تَأْتِي الهِنْدُوسِيَّةُ فِي طَلِيعَةِ هَذِهِ التَّقَالِيدِ، بِوَصْفِهَا مِنْ أَقْدَمِ المَنْظُومَاتِ الدِّينِيَّةِ فِي العَالَمِ، حَيْثُ نَشَأَتْ فِي بِيئَةٍ تَتَشَابَكُ فِيهَا الأُسْطُورَةُ بِالفَلْسَفَةِ، وَتَتَجَلَّى فِيهَا رُؤْيَةٌ كَوْنِيَّةٌ شَامِلَةٌ تَرَى الوُجُودَ دَوْرَةً مُسْتَمِرَّةً مِنَ الوِلَادَةِ وَالمَوْتِ. وَفِيهَا تَرْتَبِطُ أَفْعَالُ الإِنْسَانِ بِمَصِيرِهِ فِي دَوْرَةِ التَّنَاسُخِ، وَيَسْعَى الإِنْسَانُ إِلَى التَّحَرُّرِ مِنْهَا وَبُلُوغِ الحَقِيقَةِ المُطْلَقَةِ.
ثُمَّ تَلِيهَا الزَّرَادَشْتِيَّةُ، الَّتِي مَثَّلَتْ نَقْلَةً نَوْعِيَّةً فِي الفِكْرِ الدِّينِيِّ، إِذْ قَدَّمَتْ تَصَوُّرًا أَخْلَاقِيًّا وَاضِحًا قَائِمًا عَلَى الثُّنَائِيَّةِ بَيْنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَجَعَلَتِ الإِنْسَانَ كَائِنًا مَسْؤُولًا عَنْ اخْتِيَارَاتِهِ، يُسَاهِمُ فِي صِيَاغَةِ مَصِيرِهِ مِنْ خِلَالِ أَفْكَارِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ، فِي إِطَارِ صِرَاعٍ كَوْنِيٍّ بَيْنَ قُوَى النُّورِ وَالظُّلْمَةِ.
ثُمَّ تَبْرُزُ اليَهُودِيَّةُ (المُوسَوِيَّةُ) كَوَاحِدَةٍ مِنْ أَقْدَمِ الدِّيَانَاتِ التَّوْحِيدِيَّةِ، حَيْثُ تَقُومُ عَلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ الوَاحِدِ، وَعَلَى عَهْدٍ بَيْنَ الخَالِقِ وَالإِنْسَانِ، يَتَجَلَّى فِي الاِلْتِزَامِ بِالشَّرِيعَةِ وَالأَحْكَامِ. وَفِيهَا يَظْهَرُ البُعْدُ القَانُونِيُّ وَالأَخْلَاقِيُّ جَلِيًّا، إِذْ تُنَظِّمُ التَّعَالِيمُ شُؤُونَ الحَيَاةِ، وَتُؤَكِّدُ عَلَى العَدْلِ وَالطَّاعَةِ وَحِفْظِ العَهْدِ.
وَفِي القَرْنِ السَّادِسِ قَبْلَ المِيلَادِ، شَهِدَ العَالَمُ ظُهُورَ تَحَوُّلَاتٍ فِكْرِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، تَمَثَّلَتْ فِي البُوذِيَّةِ وَالكُونْفُوشِيُوسِيَّةِ. فَأَمَّا البُوذِيَّةُ، فَقَدْ وَجَّهَتْ نَظَرَ الإِنْسَانِ إِلَى دَاخِلِهِ، مُعْتَبِرَةً أَنَّ مَصْدَرَ المُعَانَاةِ يَكْمُنُ فِي التَّعَلُّقِ، وَأَنَّ الخَلَاصَ يَتَحَقَّقُ بِالتَّأَمُّلِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ. أَمَّا الكُونْفُوشِيُوسِيَّةُ، فَقَدِ اتَّخَذَتْ مَسَارًا اجْتِمَاعِيًّا أَخْلَاقِيًّا، سَعَتْ مِنْ خِلَالِهِ إِلَى تَنْظِيمِ العَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ وَإِقَامَةِ مُجْتَمَعٍ يَقُومُ عَلَى الاِحْتِرَامِ وَالاِنْضِبَاطِ وَتَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ.
ثُمَّ جَاءَتِ المَسِيحِيَّةُ، فَأَضَافَتْ بُعْدًا رُوحِيًّا عَمِيقًا يَقُومُ عَلَى المَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّسَامُحِ، وَرَبَطَتْ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَاللَّهِ بِرَابِطَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى الإِيمَانِ وَالنِّعْمَةِ، وَجَعَلَتْ مِنَ القِيَمِ الأَخْلَاقِيَّةِ جَوْهَرًا لِلسُّلُوكِ.
وَأَخِيرًا، جَاءَ الإِسْلَامُ لِيُقَدِّمَ مَنْهَجًا شَامِلًا يَجْمَعُ بَيْنَ العَقِيدَةِ وَالشَّرِيعَةِ وَالأَخْلَاقِ، فَرَبَطَ الإِنْسَانَ بِخَالِقِهِ رَبْطًا مُبَاشِرًا، وَنَظَّمَ شُؤُونَ الحَيَاةِ كَافَّةً، وَجَعَلَ لِلآخِرَةِ مَكَانَةً مٍحُورِيَّةً يُجَازَى فِيهَا الإِنْسَانُ عَلَى أَعْمَالِهِ.
وَهَكَذَا، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الفِكْرَ الإِنْسَانِيَّ قَدْ تَدَرَّجَ مِنْ رُؤًى كَوْنِيَّةٍ شَامِلَةٍ، إِلَى نُظُمٍ أَخْلَاقِيَّةٍ وَدِينِيَّةٍ تُنَظِّمُ حَيَاةَ الإِنْسَانِ وَتُوَجِّهُهُ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلَافِ هَذِهِ التَّقَالِيدِ، فَإِنَّهَا تَلْتَقِي فِي جَوْهَرٍ وَاحِدٍ، هُوَ سَعْيُ الإِنْسَانِ إِلَى الحَقِّ وَالخَيْرِ وَالسَّلَامِ، وَرَغْبَتُهُ فِي بِنَاءِ حَيَاةٍ يَسُودُهَا المَعْنَى وَالاِتِّزَانُ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|