تَكْرِيتُ وَآزَخُ فِي سِيَاقِ التَّارِيخِ الآرَامِيِّ وَالْعَرَبِيِّ: بَيْنَ الامْت
تَكْرِيتُ
تَكْرِيتُ وَآزَخُ فِي سِيَاقِ التَّارِيخِ الآرَامِيِّ وَالْعَرَبِيِّ: بَيْنَ الامْتِدَادِ الحَضَارِيِّ وَالتَّرَاكُمِ اللُّغَوِيِّ
بِقَلَمِ: فُؤَادُ زَادِيكِي
تُعْتَبَرُ تَكْرِيتُ مِنْ أَعْرَقِ مُدُنِ العِرَاقِ وَأَكْثَرِهَا حُضُورًا فِي النُّصُوصِ التَّارِيخِيَّةِ القَدِيمَةِ، إِذْ يَمْتَدُّ تَارِيخُهَا لآلَافِ السِّنِينَ، بَدْءًا مِنْ أَوَاخِرِ الأَلْفِيَّةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ المِيلَادِ، وَهُوَ تَارِيخٌ يَرْتَبِطُ بِمَوْقِعِهَا الاِسْتِرَاتِيجِيِّ عَلَى نَهْرِ دِجْلَةَ، الَّذِي مَنَحَهَا أَهَمِّيَّةً كَحَلْقَةِ وَصْلٍ بَيْنَ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَمَنَاطِقِ شِمَالِ العِرَاقِ وَجُنُوبِهَا. فَقَدْ شَكَّلَ هَذَا المَوْقِعُ الطَّبِيعِيُّ طَرِيقًا لِلتِّجَارَةِ وَالاِنْتِقَالِ العَسْكَرِيِّ وَالثَّقَافِيِّ، مِمَّا جَعَلَهَا هَدَفًا دَائِمًا لِلْفُتُوحَاتِ وَالحُصُونِ الدِّفَاعِيَّةِ عَلَى مَرِّ العُصُورِ. وَوَرَدَ ذِكْرُ تَكْرِيتَ فِي المَصَادِرِ الآشُورِيَّةِ وَالبَابِلِيَّةِ مُنْذُ القَرْنِ الرَّابِعِ قَبْلَ المِيلَادِ، حَيْثُ وَرَدَ اسْمُهَا فِي الأَرْشِيفِ الآشُورِيَّةِ بِقَرِيبٍ مِنْ صِيغَةِ "تِكْرِيتَان"، مَعَ الإِشَارَةِ إِلَى أَهَمِّيَّتِهَا كَحِصْنٍ دِفَاعِيٍّ اِسْتِرَاتِيجِيٍّ فِي ظِلِّ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الآشُورِيَّةِ الحَدِيثَةِ. وَقَدْ أَتَاحَ هَذَا المَوْقِعُ العَسْكَرِيُّ وَالجُغْرَافِيُّ لِلْمَدِينَةِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى مَرْكَزٍ إِدَارِيٍّ وَعَسْكَرِيٍّ مُهِمٍّ، يَلْعَبُ دَوْرًا رَئِيسِيًّا فِي ضَبْطِ المَنَاطِقِ المُحِيطَةِ وَحِمَايَةِ طُرُقِ التِّجَارَةِ الحَيَوِيَّةِ بَيْنَ النَّهْرَيْنِ.
وَمِنْ أَهَمِّ العَوَالِقِ التَّارِيخِيَّةِ فِي هَذِهِ البِلَادِ تَظْهَرُ قَبِيلَةُ إِيتُو، وَهِيَ وَاحِدَةٌ مِنَ القَبَائِلِ الآرَامِيَّةِ البَارِزَةِ، الَّتِي اسْتَوْطَنَتْ شِمَالَ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ مُنْذُ أَوَاخِرِ الأَلْفِيَّةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ المِيلَادِ، وَقَدْ أَشِيرَ إِلَيْهَا فِي المَرَاجِعِ الآشُورِيَّةِ وَالبَابِلِيَّةِ كَقَبِيلَةٍ شُجِيعَةٍ وَمُسْتَقِلَّةٍ، وَغَالِبًا مَا اسْتُعِينَ بِهَا مِنْ قِبَلِ المُلُوكِ الآشُورِيِّينَ كَقُوَّةٍ نُخْبَوِيَّةٍ فِي الحُسْبَانِ وَالمَعَارِكِ الإِقْلِيمِيَّةِ. وَامْتَدَّ اسْتِيطَانُ قَبِيلَةِ إِيتُو عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ دِجْلَةَ، وُصُولًا إِلَى مَنَاطِقَ سَمَرَّا وَدِيَالَى، مِمَّا جَعَلَ مَنَاطِقَهَا مَرَاكِزَ لِنَقْلِ الثَّقَافَةِ الآرَامِيَّةِ وَالْتُّرَاثِ اللُّغَوِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ.
إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ، وَرَدَ ذِكْرُ عَدَّةِ قَبَائِلَ عَرَبِيَّةٍ فِي النُّصُوصِ القَدِيمَةِ، مِنْ بَيْنِهَا قَبَائِلُ بَنِي أَسَدٍ، وَبَنِي كَعْبٍ، وَبَنِي تَغْلُبٍ، وَبَنِي عَبْدِ القَيْسِ، وَالَّتِي اسْتَقَرَّتْ فِي مَنَاطِقَ تَكْرِيتَ وَآزَخَ وَامْتَدَّتْ نَحْوَ صَحَارِي الشِّمَالِ وَالجَنُوبِ، وَقَدْ لَعِبَتْ دَوْرًا مَحُورِيًّا فِي نَقْلِ الثَّقَافَةِ العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ، وَفِي التَّفَاعُلِ مَعَ الهُوِيَّاتِ الآرَامِيَّةِ وَالبَابِلِيَّةِ فِي المِنْطَقَةِ، لا سِيَّمَا بَعْدَ انْهِيَارِ النُّفُوذِ الآشُورِيِّ، حَيْثُ سَاهَمَتْ هَذِهِ القَبَائِلُ فِي نَشْرِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَاللَّهَجَاتِ المَحَلِّيَّةِ، مَعَ الاِحْتِفَاظِ بِبَعْضِ الخَصَائِصِ الصَّوْتِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ الآرَامِيَّةِ الَّتِي امْتَزَجَتْ مَعَ تَرَاثِهَا الحَضَارِيِّ.
وَمَعَ تَعَاقُبِ العُصُورِ، تَحَوَّلَتْ تَكْرِيتُ مِنْ حِصْنٍ عَسْكَرِيٍّ إِلَى مَرْكَزٍ رُوحِيٍّ وَإِدَارِيٍّ بَارِزٍ، حَيْثُ أَصْبَحَتْ مَقَرًّا لِمَنْصِبِ مِفْرِيَانِ المَشْرِقِ، وَغَدَتْ مَرْكَزًا رُوحِيًّا وَإِدَارِيًّا لِلْكَنِيسَةِ السُّرْيَانِيَّةِ الأُرْثُوذُكْسِيَّةِ، وَوُصِفَتْ بِـ "عَاصِمَةِ الشَّرْقِ" فِي البُعْدِ الكَنَسِيِّ، وَازْدَهَرَتْ فِيهَا المَعَارِفُ وَالمَرَاكِزُ الفِلْسَفِيَّةُ وَالعِلْمِيَّةُ، وَمِنْهَا الكَنِيسَةُ الخَضْرَاءُ، قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَاسْتَمَرَّ حُضُورُهَا التَّارِيخِيُّ لِيُصْبِحَ مَسْقِطَ رَأْسِ صَلَاحِ الدِّينِ الأَيُّوبِيِّ.
وَإِذَا انْتَقَلْنَا شِمَالًا نَحْوَ آزَخَ، نَجِدُ وَرَاثَةً حَيَّةً لِلثَّقَافَةِ الآرَامِيَّةِ، حَيْثُ شَهِدَتْ تَطَوُّرَ اللُّغَةِ مِنْ أُصُولِهَا القَدِيمَةِ إِلَى لَهَجَاتٍ مُحَلِّيَّةٍ، وَيَتَّضِحُ أَنَّ التَّأْثِيرَ الآرَامِيَّ وَالعَرَبِيَّ الَّذِي سَاهَمَتْ فِيهِ القَبَائِلُ، كَقَبِيلَةِ إِيتُو وَبَعْضِ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ، أَثَرٌ مُشْتَرَكٌ فِي تَشَكُّلِ لَهْجَةِ آزَخَ العَرَبِيَّةِ، الَّتِي تَحْمِلُ فِي بِنْيَتِهَا بَعْضَ الآثَارِ اللُّغَوِيَّةِ وَالصَّوْتِيَّةِ الآرَامِيَّةِ، فَتُجَسِّدُ تَرَاكُمًا حَضَارِيًّا وَلُغَوِيًّا طَوِيلًا يَرْتَبِطُ بِتَكْرِيتَ وَضِفَافِ دِجْلَةَ.
وَيَجِبُ الإشارةُ إِلَى أنَّ لَهْجَةَ آزَخَ العَرَبِيَّةَ تُظْهِرُ صِلَةً لُغَوِيَّةً وَتَارِيخِيَّةً بِاللهَجَاتِ العَرَبِيَّةِ المَحَلِّيَّةِ فِي المَوْصِلِ، وَبَعْشِيقَةَ، وَتَكْرِيتَ، حَيْثُ تَشْتَرِكُ هَذِهِ اللَّهَجَاتُ فِي بَعْضِ الخَصَائِصِ الصَّوْتِيَّةِ وَالمُفْرَدَاتِيَّةِ، مَعَ بُرُوزِ تَأثِيرٍ آرَامِيٍّ أَكْثَرَ وَضُوحًا فِي لَهْجَةِ آزَخَ بِسَبَبِ التَّفَاعُلِ التَّارِيخِيِّ مَعَ قَبَائِلِ إِيتُو وَالمُجْتَمَعَاتِ النَّاطِقَةِ بِالآرَامِيَّةِ.
وَبِهَذَا تَتَجَلَّى تَكْرِيتُ وَآزَخُ وَقَبَائِلُ إِيتُو وَالبَعْضُ العَرَبِيَّةُ فِي صُورَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ، تَعْكِسُ مَسِيرَةً حَضَارِيَّةً عَرِيقَةً مِنَ البِنَى القَبَلِيَّةِ إِلَى الأُطُرِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ، مُمْتَدَّةً عَبْرَ الأَقَالِيمِ وَالأَزْمِنَةِ، حَامِلَةً شِعَاعَاتٍ مِنَ التَّرَاثِ وَالإِرْثِ الَّذِي يُظْهِرُ وُجُودَ الآرَامِيِّينَ وَالعَرَبِ وَتَأثِيرَاتِهِمْ فِي شِمَالِ العِرَاقِ وَمِنْطَقَةِ آزَخَ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|