خَاتِمَةُ مَلْحَمَةِ النَّدَى وَالهَجِيرِ: انْكِسَارُ الأَمَلِ عَلَى أَعْتَابِ القَدَ
خَاتِمَةُ مَلْحَمَةِ النَّدَى وَالهَجِيرِ: انْكِسَارُ الأَمَلِ عَلَى أَعْتَابِ القَدَرِ
بِقَلَمِ البَاحِثِ وَالمُؤَرِّخِ: فُؤَاد زَادِيكِي
لَمْ تَكُنْ نِهَايَةُ قِصَّةِ خسرو وَكريم مُجَرَّدَ فِرَاقٍ، بَلْ كَانَتْ صِرَاعًا مَرِيرًا بَيْنَ لِينِ القُلُوبِ وَقَسْوَةِ السَّائِدِ. شَاعَتْ أَحْدَاثُ عِشْقِهِمَا فِي كُلِّ أَرْجَاءِ آزخ، مِمَّا أَشْعَلَ نَارَ التَّشَدُّدِ لَدَى أَهْلِ الفَتَاةِ، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِكَوْنِ الشَّابِّ مِنْ دِينٍ آخَرَ، حَيْثُ نُصِبَتِ الأَدْيَانُ حَوَاجِزَ بَيْنَ بَشَرٍ خَلَقَهُمُ اللهُ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ.
فِي ظِلِّ هَذَا الحِصَارِ، بَرَزَ دَوْرُ الصَّدَاقَةِ النَّبِيلَةِ فِي شَخْصِيَّةِ شوشان، مِنْ بَيْتِ اسطيفو، الَّتِي كَانَتْ لِخسرو سَنَدًا وَمَلَاذًا وَبِئْرًا لِأَسْرَارِهَا. كَانَتْ زِيَارَاتُ خسرو لِصَدِيقَتِهَا هِيَ الثُّغْرَةَ الوَحِيدَةَ لِلِقَاءِ كريم، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الرُّقَبَاءِ مِنْ أَبْنَاءِ عُمُومَتِهَا وَأَخْوالِهَا الَّذِينَ لَاحَقُوهَا كَظِلِّهَا. وَبِشَجَاعَةٍ نَادِرَةٍ، كَانَتْ خسرو تَعْمَدُ إِلَى تَبْدِيلِ ثِيَابِهَا لِتَرْتَدِيَ زِيًّا يُمَكِّنُهَا مِنَ التَّسَلُّلِ إِلَى الكَنِيسَةِ لِلصَّلَاةِ، كَيْ لَا يَعْرِفَهَا أَحَدٌ فَيُوشِيَ بِهَا لِأَبِيهَا. هُنَاكَ، تَحَوَّلَتِ الكَنِيسَةُ إِلَى مَلَاذٍ رُوحِيٍّ يَجْمَعُهَا بِمَنْ تُحِبُّ. بَلْ إِنَّهَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا مِنَ الإِصْرَارِ حِينَ ذَهَبَتْ مَعَ صَدِيقَتِهَا إِلَى كَاهِنِ آزخ تَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُعَمِّدَهَا، لَكِنَّهُ رَفَضَ طَلَبَهَا خَوْفًا مِنْ إِثَارَةِ فِتْنَةٍ أَوْ مَشَاكِلَ كَانَتِ البَلْدَةُ بِغِنًى عَنْهَا.
وَمَعَ تَزَايُدِ الضُّغُوطِ، حَاوَلَ أَهْلُهَا تَزْوِيجَهَا مِرَارًا، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَرْفُضُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَفَاءً لِعَهْدِهَا. وَحِينَمَا وَصَلَ الصِّرَاعُ إِلَى طَرِيقٍ مَسْدُودٍ وَأَرَادَ أَهْلُهَا قَتْلَ كريم بَعْدَ قَرَارِهِمَا بِالهُرُوبِ مَعًا، اضْطَرَّ كريم لِلتَّخَفِّي عِشْرِينَ يَوْمًا بَيْنَ الكُرُومِ، لَاجِئًا إِلَى (الكُولَّكَاتِ) وَهِيَ تِلْكَ الغُرَفُ البَسِيطَةُ المَبْنِيَّةُ مِنَ الحِجَارَةِ الَّتِي يَبْنِيهَا أَصْحَابُ الكُرُومِ لِلرَّاحَةِ وَتَنَاوُلِ الطَّعَامِ. كَانَ كريم يَنَامُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي كَرْمٍ غَيْرِ الَّذِي بَاتَ فِيهِ، مُتَّخِذًا مِنْ صَمْتِ الحِجَارَةِ حِمَايَةً لَهُ كانَ ذلكَ في سنةِ ١٩٥١م.
بَلَغَتِ المَلْحَمَةُ ذُرْوَتَهَا فِي المَحْكَمَةِ، حِينَ قَدَّمَ أَهْلُ الفَتَاةِ شَكْوَى كَيْدِيَّةً ضِدَّ حنّا وَالِدِ كريم، مُدَّعِينَ أَنَّ ابْنَهُ يُرِيدُ إِكْرَاهَهَا عَلَى الهُرُوبِ. لَكِنَّ خسرو وَقَفَتْ مَوْقِفًا بُطُولِيًّا أَمَامَ القَاضِي، حَيْثُ نَفَتْ كُلَّ التُّهَمِ وَأَعْلَنَتْ بِكُلِّ جُرْأَةٍ أَنَّهَا لَمْ تَتَقَدَّمْ بِأَيِّ شَكْوَى، بَلْ أَهْلُهَا هُمْ مَنْ أَجْبَرُوهَا عَلَى قَوْلِ ذَلِكَ، مُؤَكِّدَةً أَنَّهَا وَكريم ضَحِيَّةُ تَقَالِيدَ ظَالِمَةٍ.
رَغْمَ هَذَا الصُّمُودِ، جَرَتِ الأَقْدَارُ بِعَكْسِ المُرَادِ، فَرَحَلَ الوَالِدُ حنّا فِي حُزَيْرَانَ 1952، وَتَزَوَّجَ كريم وَرُزِقَ بِالذُّرِّيَّةِ ٣ أبنَاء ذُكُورٍ وأربَعَ بَنَاتٍ، قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ عَامَ 1979 بَعْدَ صِرَاعٍ مَعَ الشَّلَلِ. أَمَّا خسرو، فَقَدْ سِيقَتْ إِلَى حَيَاةٍ أُخْرَى وَتَزَوَّجَتْ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهَا بَعِيدًا عَنْ رَاوِي هَذِهِ القِصَّةِ حنا دكتوريان. لَقَدْ دَوَّنْتُ هَذِهِ المَلْحَمَةَ لِتَبْقَى عِظَةً لِكُلِّ مَنْ يَقْرَأُ كَيْفَ خَنَقَتِ الأَغْلَالُ أَطْهَرَ القُلُوبِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|