![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
خُبْزُ الفُقَرَاءِ: سِيرَةُ الإِنْسَانِ عَلَى حَافَّةِ الكَرَامَةِ بقلم: فؤاد زاديكي لَيْسَ الخُبْزُ فِي حَيَاةِ الفُقَرَاءِ مَجَرَّدَ غِذَاءٍ يُسَكِّنُ الجُوعَ وَيُبْقِي الجَسَدَ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، بَلْ هُوَ حِكَايَةٌ طَوِيلَةٌ تُكْتَبُ كُلَّ يَوْمٍ بِأَنْفَاسٍ مُتَعَبَةٍ، وَبِأَيْدٍ تَعْرِفُ طَعْمَ العَرَقِ قَبْلَ طَعْمِ الرَّغِيفِ. هُنَاكَ، فِي الأَطْرَافِ الَّتِي لَا تَصِلُ إِلَيْهَا الأَضْوَاءُ كَمَا يَجِبُ، يَغْدُو الخُبْزُ لُغَةً أُولَى يَتَعَلَّمُهَا الإِنْسَانُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يُعَبِّرُ عَنْ أَلَمِهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَفْهَمَ مَعْنَى أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ فِي حَيَاةٍ كَرِيمَةٍ لَا تُقَاسُ بِمَا يَمْلِكُهُ، بَلْ بِمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْصُلَ عَلَيْهِ دُونَ مَذَلَّةٍ. إِنَّ خُبْزَ الفُقَرَاءِ فِي جَوْهَرِهِ لَيْسَ شَيْئًا مَادِّيًّا فَقَطْ، بَلْ هُوَ عَلامَةٌ كَاشِفَةٌ عَلَى كَيْفِيَّةِ تَشَكُّلِ الحَيَاةِ دَاخِلَ المُجْتَمَعَاتِ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِيهِ رَغِيفًا وَحَسْبُ، بَلْ نَرَى وَرَاءَهُ خُطُوطًا طَوِيلَةً مِنَ التَّارِيخِ، وَتَفَاوُتًا يَتَكَرَّسُ بَيْنَ طَبَقَاتٍ تَعِيشُ فِي الْوَطَنِ نَفْسِهِ وَلَكِنَّهَا لَا تَتَقَاسَمُ نَفْسَ الحَيَاةِ. هُنَاكَ مَنْ يَرَى الخُبْزَ شَيْئًا بَدِيهِيًّا لَا يُفَكِّرُ فِيهِ، وَهُنَاكَ مَنْ يَجْعَلُ مِنْهُ مِحْوَرَ يَوْمِهِ، وَفَارِقُ التَّفْكِيرِ بَيْنَهُمَا لَيْسَ فِي الشَّهِيَّةِ وَلَا فِي العَادَاتِ، بَلْ فِي تَصْمِيمِ الْعَالَمِ نَفْسِهِ كَيْفَ يَضَعُ كُلَّ إِنْسَانٍ فِي مَكَانِهِ. وَعِنْدَمَا نَتَأَمَّلُ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ مِنْ زَاوِيَةٍ أَعْمَقَ، نَجِدُ أَنَّ الفَقْرَ لَيْسَ نَقْصًا فِي الخُبْزِ فَقَطْ، بَلْ نَقْصٌ فِي مَكَانِ الإِنْسَانِ دَاخِلَ نَفْسِهِ وَدَاخِلَ المُجْتَمَعِ. فَهُوَ حَالَةٌ يَتَحَوَّلُ فِيهَا الزَّمَنُ إِلَى انْتِظَارٍ دَائِمٍ، وَالطُّفُولَةُ إِلَى بُكُورَةِ قَلَقٍ، وَالأَحْلَامُ إِلَى مَا يُؤَجَّلُ إِلَى أَجَلٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا يُثِيرُ الإِعْجَابَ وَالأَلَمَ فِي آنٍ وَاحِدٍ هُوَ قُدْرَةُ الإِنْسَانِ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ هَذَا النُّقْصَ دُونَ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْ أَحَقِّيَّتِهِ فِي الحَيَاةِ، كَأَنَّ الكَرَامَةَ، حَتَّى وَهِيَ مَجْرُوحَةٌ، تَظَلُّ آخِرَ مَا يُمْكِنُ التَّفْرِيطُ بِهِ. وَفِي بُيُوتٍ ضَيِّقَةٍ لَا تَسَعُ إِلَّا الأَفْرَادَ وَالضُّغُوطَ، نَرَى مَشَاهِدَ صَامِتَةً تُخْفِي كَثِيرًا مِمَّا لَا يُقَالُ. أُمٌّ تُقَسِّمُ رَغِيفًا صَغِيرًا عَلَى أَطْفَالِهَا، فَيَكْبُرُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ مَعْنَى الأُمُومَةِ إِلَى حُدُودٍ تَتَجَاوَزُ الطَّعَامَ إِلَى تَقْسِيمِ الأَمَلِ نَفْسِهِ. وَعَامِلٌ يَعُودُ مُنْهَكًا مِنْ يَوْمِهِ، لَا يَحْمِلُ مَعَهُ إِلَّا ثِقَلَ الجَسَدِ وَقَلِيلًا مِنَ الرِّضَا الصَّامِتِ، كَأَنَّهُ يُرَاوِغُ الحَيَاةَ لِكَيْ يَبْقَى فِيهَا، وَلَيْسَ لِكَيْ يَفُوزَ بِهَا. وَفِي هَذِهِ التَّجَارِبِ البَسِيطَةِ فِي مَظْهَرِهَا، العَمِيقَةِ فِي جَوْهَرِهَا، يَتَكَوَّنُ مَعْنَى الإِنْسَانِيَّةِ عَلَى حَدِّهِ الأَدْنَى وَالأَصْعَبِ فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ حَيْثُ لَا يَكُونُ المِحْكُّ فِي قُدْرَةِ المَرْءِ عَلَى الاِسْتِهْلاكِ، بَلْ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى الحِفَاظِ عَلَى وَجْهِهِ الإِنْسَانِيِّ وَهُوَ يَسْعَى لِتَأْمِينِ أَبْسَطِ مَا يَحْتَاجُهُ لِبَقَائِهِ. إِنَّ خُبْزَ الفُقَرَاءِ، بِهَذَا المَعْنَى، لَيْسَ رَمْزًا لِفَقْرٍ مَادِّيٍّ فَقَطْ، بَلْ شَهَادَةٌ صَامِتَةٌ عَلَى طَرِيقَةِ تَشْكُّلِ العَدَالَةِ أَوِ انْحِرَافِهَا. فَكُلُّ رَغِيفٍ لَا يَصِلُ إِلَّا بَعْدَ جُهْدٍ شَاقٍّ، هُوَ سُؤَالٌ مُعَلَّقٌ فِي وَجْهِ المُجْتَمَعِ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِعَالَمٍ يَمْلِكُ كُلَّ هَذِهِ الثَّرْوَاتِ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ أَبْسَطِ الحُقُوقِ مَسْأَلَةَ كَدٍّ وَانْتِظَارٍ وَمُقَايَضَةٍ؟ وَلَكِنْ، رُغْمَ كُلِّ ذَلِكَ، يَبْقَى فِي خُبْزِ الفُقَرَاءِ شَيْءٌ لَا تَسْتَطِيعُ الأَرْقَامُ أَنْ تُلْمِسَهُ: تِلْكَ القُدْرَةُ العَجِيبَةُ عَلَى اسْتِمْرَارِ الحَيَاةِ، حَتَّى فِي أَضْيَقِ شُرُوطِهَا. فَالإِنْسَانُ الَّذِي يَحْمِلُ خُبْزَهُ القَلِيلَ لَا يَحْمِلُ الجُوعَ فَقَطْ، بَلْ يَحْمِلُ مَعَهُ إِصْرَارًا خَفِيًّا عَلَى أَنْ يَبْقَى، وَأَنْ يُؤَجِّلَ الاِنْكِسَارَ قَدْرَ مَا يَسْتَطِيعُ. وَهُنَا، يَغْدُو الخُبْزُ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ طَعَامٍ، يَغْدُو مِرْآةً لِعَالَمٍ أَكْبَرَ مِنْهُ، عَالَمٍ يَتَحَدَّدُ فِيهِ مَعْنَى الإِنْسَانِ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهِ فِي الحَيَاةِ، لَا بِقَدْرِ مَا يُتْرَكُ لَهُ مِنْ فُتَاتِهَا. التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 23-07-2026 الساعة 07:27 AM |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|