![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
كَيْفَ تُولَدُ القَصِيدَةُ؟
تَأَمُّلَاتٌ فِي الوَمْضَةِ الشِّعْرِيَّةِ، وَخُصُوبَةِ الإِحْسَاسِ، وَسِرِّ تَشَكُّلِ اللُّغَةِ فُؤَاد زَادِيكِي لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ فِي الإِمْكَانِ أَنْ نُحَدِّدَ لِلْقَصِيدَةِ سَاعَةً مَعْلُومَةً لِمِيلَادِهَا، أَوْ أَنْ نَضَعَ لَهَا قَانُونًا ثَابِتًا يُفَسِّرُ كَيْفَ تَنْبَثِقُ مِنْ أَعْمَاقِ الشَّاعِرِ. فَالْقَصِيدَةُ، فِي جَوْهَرِهَا، كَائِنٌ شَدِيدُ الْمُرَاوَغَةِ؛ قَدْ تَمْضِي إِلَى الشَّاعِرِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، فِي لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ، أَوْ فِي مَشْهَدٍ بَسِيطٍ، أَوْ فِي إِحْسَاسٍ خَاطِفٍ، أَوْ فِي جَمَالٍ يَمُرُّ أَمَامَ الْعَيْنِ كَمَا يَمُرُّ الْبَرْقُ فِي سَمَاءٍ مُعْتِمَةٍ، ثُمَّ يَتْرُكُ فِي النَّفْسِ أَثَرًا لَا يَزُولُ. وَقَدْ تَبْدَأُ الْقَصِيدَةُ أَحْيَانًا مِنْ وَمْضَةٍ لَا تَكَادُ تَسْتَغْرِقُ أَكْثَرَ مِنْ لَحْظَةٍ؛ وَمْضَةٍ تَتَوَلَّدُ مِنْ احْتِكَاكِ الرُّوحِ بِالْعَالَمِ، وَمِنْ تَفَاعُلِ الذَّاتِ مَعَ مَوْقِفٍ إِنْسَانِيٍّ، أَوْ حَدَثٍ عَابِرٍ، أَوْ ذِكْرَى بَعِيدَةٍ، أَوْ مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ الْجَمَالِ. وَقَدْ تَكُونُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ الَّتِي تَفْتَحُ الْبَابَ، أَوْ صُورَةٌ تَسْتَوْقِفُ الْخَيَالَ، أَوْ إِحْسَاسٌ غَامِضٌ لَا يَجِدُ الشَّاعِرُ لَهُ فِي الْبِدَايَةِ اسْمًا، لَكِنَّهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ يُلِحُّ عَلَيْهِ كَيْ يَتَحَوَّلَ إِلَى لُغَةٍ. وَهُنَا تَكْمُنُ مَسْؤُولِيَّةُ الشَّاعِرِ الْأُولَى: أَنْ يَتَلَقَّفَ الْبَرِيقَ قَبْلَ أَنْ يَخْبُوَ. فَالْبَرِيقُ الشِّعْرِيُّ لَا يَنْتَظِرُ طَوِيلًا. إِنَّهُ يَظْهَرُ خَاطِفًا، وَقَدْ لَا يَمْنَحُ صَاحِبَهُ إِلَّا قَدْرًا ضَئِيلًا مِنَ الْوَقْتِ. فَإِذَا لَمْ يُبَادِرِ الشَّاعِرُ إِلَى الإِمْسَاكِ بِخَيْطِهِ، رُبَّمَا أَفْلَتَ مِنْهُ، أَوْ تَبَدَّدَ فِي زِحَامِ الْيَوْمِيِّ وَالْعَابِرِ. وَلِهَذَا قَدْ يُسَارِعُ الشَّاعِرُ إِلَى تَدْوِينِ كَلِمَةٍ، أَوْ جُمْلَةٍ، أَوْ صُورَةٍ، أَوْ حَتَّى عِبَارَةٍ مُبْتُورَةٍ لَا يَعْرِفُ فِي لَحْظَتِهَا إِلَى أَيْنَ سَتَقُودُهُ. لَكِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ فِيهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْوَهَجِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي التَّفْرِيطُ فِيهِ. وَمِنْ هُنَا تَبْدَأُ الْقَصِيدَةُ، لَا بِوَصْفِهَا نَصًّا مُكْتَمِلًا، وَإِنَّمَا بِوَصْفِهَا احْتِمَالًا شِعْرِيًّا. قَدْ أَجْلِسُ فِي لَحْظَةٍ مَا لِأَكْتُبَ قَصِيدَةً، دُونَ أَنْ أَكُونَ قَدْ رَسَمْتُ لَهَا طَرِيقًا وَاضِحًا، وَدُونَ أَنْ أَعْرِفَ بِالضَّرُورَةِ كَيْفَ سَتَبْدَأُ وَإِلَى أَيْنَ سَتَنْتَهِي. يَكُونُ ثَمَّةَ إِحْسَاسٌ مَا، أَوْ حَالَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ أَوْ جَمَالِيَّةٌ، قَدْ أَخَذَتْ مَكَانَهَا فِي دَاخِلِي، ثُمَّ بَدَأَتِ الْكَلِمَاتُ تَتَوَالَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَقَدْ أَجِدُ نَفْسِي مُنْقَادًا إِلَى الْكِتَابَةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَكُونُ قَائِدًا لَهَا؛ فَكَأَنَّ شَيْئًا فِي الدَّاخِلِ يُمْلِي، وَالْيَدُ لَا تَفْعَلُ أَكْثَرَ مِنْ مُلَاحَقَةِ مَا يَتَدَفَّقُ. وَفِي مِثْلِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، يَكُونُ الشَّاعِرُ أَقْرَبَ إِلَى الإِصْغَاءِ مِنْهُ إِلَى الاخْتِرَاعِ. إِنَّهُ يُصْغِي إِلَى ذَلِكَ الصَّوْتِ الْخَفِيِّ الَّذِي يَتَشَكَّلُ فِي أَعْمَاقِهِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَمْنَحَهُ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ. وَقَدْ تَكُونُ الْبِدَايَةُ سَهْلَةً مُتَدَفِّقَةً، كَأَنَّ الْقَصِيدَةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي مَكَانٍ مَا وَتَنْتَظِرُ فَقَطْ أَنْ يُرْفَعَ عَنْهَا السِّتَارُ. وَقَدْ يَحْدُثُ الْعَكْسُ؛ تَبْدَأُ الْكَلِمَاتُ مُتَعَثِّرَةً، ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تَجِدَ إِيقَاعَهَا وَمَسَارَهَا، فَيَنْفَتِحُ أَمَامَ الشَّاعِرِ فَضَاءٌ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ. وَلَيْسَ الإِلْهَامُ، فِي تَقْدِيرِي، مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ تَهْبِطُ عَلَى الشَّاعِرِ مِنْ فَرَاغٍ؛ فَالْقَصِيدَةُ غَالِبًا مَا تَكُونُ حَصِيلَةَ تَفَاعُلٍ طَوِيلٍ بَيْنَ التَّجْرِبَةِ وَالذَّاكِرَةِ وَالإِحْسَاسِ وَالْخَيَالِ وَاللُّغَةِ. قَدْ يَعِيشُ الشَّاعِرُ مَوْقِفًا فِي الْحَاضِرِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ بِحَاضِرِهِ وَحْدَهُ؛ إِذْ تَنْهَضُ مِنْ أَعْمَاقِهِ تَجَارِبُ سَابِقَةٌ وَصُوَرٌ قَدِيمَةٌ وَمَشَاعِرُ مُؤَجَّلَةٌ، فَتَدْخُلُ كُلُّهَا فِي نَسِيجِ اللَّحْظَةِ الرَّاهِنَةِ. وَهَكَذَا يُصْبِحُ الْحَدَثُ الْوَاحِدُ أَكْثَرَ مِنْ حَدَثٍ، وَالْمَشْهَدُ الْوَاحِدُ أَكْثَرَ مِنْ مَشْهَدٍ، لِأَنَّ الذَّاكِرَةَ تُضِيفُ إِلَيْهِ مَا لَيْسَ ظَاهِرًا فِيهِ، وَالْخَيَالُ يَفْتَحُ لَهُ أَبْوَابًا تَتَجَاوَزُ حُدُودَهُ الْمُبَاشِرَةَ. وَالْخَيَالُ هُنَا لَيْسَ هُرُوبًا مِنَ الْوَاقِعِ، كَمَا قَدْ يُظَنُّ، وَإِنَّمَا هُوَ إِحْدَى أَعْمَقِ وَسَائِلِ اكْتِشَافِهِ. فَالشَّاعِرُ لَا يَرَى الْأَشْيَاءَ كَمَا يَرَاهَا الْجَمِيعُ بِالضَّرُورَةِ؛ إِنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَرَى مَا وَرَاءَ ظَاهِرِهَا، وَأَنْ يَعْثُرَ عَلَى الصِّلَةِ الْخَفِيَّةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ. شَجَرَةٌ فِي الطَّرِيقِ قَدْ تُصْبِحُ ذَاكِرَةً، وَنَافِذَةٌ مُضَاءَةٌ فِي اللَّيْلِ قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى سُؤَالٍ، وَغِيَابُ شَخْصٍ قَدْ يَتَّخِذُ هَيْئَةَ مَكَانٍ كَامِلٍ، وَابْتِسَامَةٌ عَابِرَةٌ قَدْ تَسْتَدْعِي حُزْنًا عُمْرُهُ سَنَوَاتٌ. هَكَذَا يُعِيدُ الْخَيَالُ تَرْتِيبَ الْعَالَمِ دَاخِلَ الْقَصِيدَةِ. لَكِنَّ الإِحْسَاسَ، مَهْمَا كَانَ عَمِيقًا، لَا يَكْفِي وَحْدَهُ لِصِنَاعَةِ الشِّعْرِ. فَكَمْ مِنْ إِحْسَاسٍ عَظِيمٍ بَقِيَ إِحْسَاسًا لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لُغَتَهُ، وَكَمْ مِنْ تَجْرِبَةٍ مُؤَثِّرَةٍ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُصْبِحَ قَصِيدَةً لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَعْثُرْ عَلَى الشَّكْلِ الَّذِي يَحْمِلُهَا. وَهُنَا تَبْدَأُ مُهِمَّةُ اللُّغَةِ. فَاللُّغَةُ الشِّعْرِيَّةُ لَيْسَتْ ثَوْبًا تَلْبَسُهُ الْفِكْرَةُ بَعْدَ اكْتِمَالِهَا، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ وِلَادَتِهَا ذَاتِهَا. قَدْ يَدْخُلُ الشَّاعِرُ إِلَى الْقَصِيدَةِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْرِفُ مَا يُرِيدُ قَوْلَهُ، ثُمَّ يَكْتَشِفُ، أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ، أَنَّ اللُّغَةَ تَقُودُهُ إِلَى مَعْنًى آخَرَ. وَقَدْ تَأْتِي كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فَتُغَيِّرُ اتِّجَاهَ الْمَقْطَعِ كُلَّهُ، أَوْ تَفْتَحُ صُورَةً جَدِيدَةً لَمْ تَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ. وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ لَا تَعُودُ اللُّغَةُ مُجَرَّدَ أَدَاةٍ لِلتَّعْبِيرِ، وَإِنَّمَا تُصْبِحُ شَرِيكًا فِي اكْتِشَافِ التَّجْرِبَةِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الشَّاعِرَ لَا يَخْتَارُ كَلِمَاتِهِ مِنْ مُعْجَمٍ جَاهِزٍ فَحَسْبُ، بَلْ يَبْحَثُ عَنِ الْكَلِمَةِ الَّتِي تَحْمِلُ شُحْنَةَ الإِحْسَاسِ الْمُنَاسِبَةِ؛ الْكَلِمَةِ الَّتِي لَا تُؤَدِّي الْمَعْنَى فَقَطْ، وَإِنَّمَا تَتْرُكُ صَدَاهَا فِي النَّفْسِ. فَلَيْسَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ مُرَادِفَةٍ لِأُخْرَى فِي الشِّعْرِ، وَإِنْ تَشَابَهَتَا فِي الْمَعْنَى الْقَامُوسِيِّ؛ إِذْ لِكُلِّ كَلِمَةٍ ظِلُّهَا، وَإِيقَاعُهَا، وَذَاكِرَتُهَا، وَمَوْقِعُهَا الْخَاصُّ دَاخِلَ الْجُمْلَةِ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي ضَرُورَةُ أَنْ تَكُونَ اللُّغَةُ رَصِينَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُتَكَلِّفَةً، عَمِيقَةً مِنْ غَيْرِ غُمُوضٍ مُصْطَنَعٍ، غَنِيَّةً مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ، قَادِرَةً عَلَى أَنْ تَحْمِلَ الْفِكْرَةَ دُونَ أَنْ تَقْتُلَ شِعْرِيَّتَهَا، وَأَنْ تَحْمِلَ الشُّعُورَ دُونَ أَنْ تَنْزَلِقَ إِلَى الْمُبَاشَرَةِ. أَمَّا الإِيقَاعُ، فَهُوَ ذَلِكَ النَّبْضُ الْخَفِيُّ الَّذِي يَجْعَلُ الْقَصِيدَةَ تَتَحَرَّكُ فِي النَّفْسِ حَتَّى حِينَ لَا تَكُونُ مَوْزُونَةً عَلَى الْبُحُورِ التَّقْلِيدِيَّةِ. قَدْ يَكُونُ فِي تَكْرَارِ صَوْتٍ، أَوْ فِي تَتَابُعِ جُمَلٍ، أَوْ فِي تَوْزِيعِ الْكَلِمَاتِ، أَوْ فِي الصَّمْتِ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ عِبَارَتَيْنِ. إِنَّ الْقَصِيدَةَ، فِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ، لَيْسَتْ مَا تَقُولُهُ الْكَلِمَاتُ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا أَيْضًا مَا تَصْنَعُهُ الْكَلِمَاتُ مِنْ مُوسِيقَى وَصَمْتٍ وَتَوَتُّرٍ وَانْسِجَامٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَصِيدَةَ لَا تَوْلَدُ دَائِمًا دَفْعَةً وَاحِدَةً. قَدْ يَبْدَأُ الشَّاعِرُ الْكِتَابَةَ فِي حَالَةٍ مِنَ التَّوَهُّجِ، ثُمَّ يَنْحَسِرُ ذَلِكَ الْوَهَجُ فَجْأَةً. تَتَوَقَّفُ الْجُمْلَةُ، وَيَصْمُتُ التَّدَفُّقُ، وَيَشْعُرُ الشَّاعِرُ أَنَّ الْقَصِيدَةَ قَدْ تَوَقَّفَتْ. لَكِنَّنِي لَا أَرَى فِي ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ نِهَايَةً لِلْعَمَلِ الشِّعْرِيِّ. فَقَدْ يَكُونُ الْوَهَجُ قَدْ تَرَاجَعَ إِلَى الدَّاخِلِ، تَارِكًا الْقَصِيدَةَ فِي طَوْرٍ آخَرَ مِنْ أَطْوَارِ التَّكْوِينِ. وَقَدْ أَعُودُ إِلَى الْقَصِيدَةِ بَعْدَ سَاعَةٍ، أَوْ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، أَوْ بَعْدَ أَيَّامٍ، فَأَجِدُ أَنَّنِي أَنْظُرُ إِلَيْهَا بِعَيْنٍ مُخْتَلِفَةٍ. لَقَدِ ابْتَعَدْتُ قَلِيلًا عَنِ الِانْفِعَالِ الْأَوَّلِ، وَأَصْبَحْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرَى النَّصَّ لَا مِنْ دَاخِلِهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا مِنْ مَسَافَةٍ تَسْمَحُ لِي بِأَنْ أَكْتَشِفَ مَوَاضِعَ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ فِيهِ. وَهَذِهِ الْمَسَافَةُ قَدْ تَكُونُ ضَرُورِيَّةً. فَالِانْفِعَالُ يَهَبُ الْقَصِيدَةَ حَرَارَتَهَا، لَكِنَّ الْمَسَافَةَ تَمْنَحُ الشَّاعِرَ الْقُدْرَةَ عَلَى رُؤْيَتِهَا. وَالِانْدِفَاعُ يَفْتَحُ الطَّرِيقَ، لَكِنَّ الْوَعْيَ الْفَنِّيَّ يُسَاعِدُ عَلَى تَهْذِيبِهِ. وَمَا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ تَنْشَأُ عَمَلِيَّةُ الْمُرَاجَعَةِ: حَذْفُ كَلِمَةٍ، أَوْ اسْتِبْدَالُ صُورَةٍ، أَوْ تَقْدِيمُ جُمْلَةٍ وَتَأْخِيرُ أُخْرَى، أَوْ التَّخَلُّصُ مِنْ مَقْطَعٍ بَدَا لِلشَّاعِرِ فِي لَحْظَةِ الِانْفِعَالِ ضَرُورِيًّا، ثُمَّ اكْتَشَفَ لَاحِقًا أَنَّهُ زَائِدٌ عَنْ حَاجَةِ الْقَصِيدَةِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْمُرَاجَعَةَ لَيْسَتْ خِيَانَةً لِلَّحْظَةِ الإِلْهَامِ الْأُولَى، بَلْ قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةً لِحِمَايَتِهَا مِنَ الزَّوَائِدِ. فَالْقَصِيدَةُ لَا تُقَاسُ بِكَمِّيَّةِ مَا فِيهَا، وَإِنَّمَا بِمَا اسْتَطَاعَ الشَّاعِرُ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ كَلِمَةٍ فِيهَا تُؤَدِّي وَظِيفَتَهَا الْجَمَالِيَّةَ وَالدِّلَالِيَّةَ. أَحْيَانًا تَكُونُ الْكَلِمَةُ الَّتِي حَذَفَهَا الشَّاعِرُ جُزْءًا مِنْ اكْتِمَالِ الْقَصِيدَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي أَبْقَاهَا. وَأَحْيَانًا يَكُونُ الصَّمْتُ بَيْنَ عِبَارَتَيْنِ أَبْلَغَ مِنْ جُمْلَةٍ كَامِلَةٍ. وَهُنَا أَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ مَرْحَلَتَيْنِ مُتَلَازِمَتَيْنِ فِي وِلَادَةِ الْقَصِيدَةِ: مَرْحَلَةُ الِانْدِفَاعِ، وَمَرْحَلَةُ التَّشْكِيلِ. فِي الْأُولَى يَقُولُ الشَّاعِرُ: اُكْتُبْ قَبْلَ أَنْ تَضِيعَ اللَّحْظَةُ. وَفِي الثَّانِيَةِ يَقُولُ: عُدْ إِلَى مَا كَتَبْتَ، وَانْظُرْ مَاذَا كَانَتِ الْقَصِيدَةُ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ. وَالْقَصِيدَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ، تَوْلَدُ مِنَ الْمُصَالَحَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ الصَّوْتَيْنِ: صَوْتِ الْعَفْوِيَّةِ، وَصَوْتِ الصَّنْعَةِ؛ صَوْتِ الْقَلْبِ، وَصَوْتِ الصَّنْعَةِ الْفَنِّيَّةِ؛ صَوْتِ اللَّحْظَةِ، وَصَوْتِ الزَّمَنِ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يَنْبَغِي أَنْ نَفْهَمَ الصَّنْعَةَ الشِّعْرِيَّةَ عَلَى أَنَّهَا افْتِعَالٌ. فَالصَّنْعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ أَنْ يَضَعَ الشَّاعِرُ الْكَلِمَاتِ فِي قَوَالِبَ مُزَخْرَفَةٍ، وَإِنَّمَا أَنْ يَعْرِفَ كَيْفَ يَجْعَلُ اللُّغَةَ شَفَّافَةً بِمَا يَكْفِي كَيْ يَصِلَ الإِحْسَاسُ، وَعَمِيقَةً بِمَا يَكْفِي كَيْ لَا يَنْتَهِيَ أَثَرُهَا عِنْدَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى. إِنَّ أَجْمَلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لِلْقَصِيدَةِ هُوَ أَنْ يَشْعُرَ الْقَارِئُ بِأَنَّهَا جَاءَتْ طَبِيعِيَّةً، رَغْمَ أَنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الْعَفْوِيَّةِ عَمَلًا شَاقًّا مِنَ الِاخْتِيَارِ وَالْحَذْفِ وَالتَّأَمُّلِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ أَحَدُ أَسْرَارِ الْكِتَابَةِ الشِّعْرِيَّةِ: أَنْ يَبْدُوَ مَا هُوَ مَصْنُوعٌ كَمَا لَوْ أَنَّهُ وُلِدَ وَحْدَهُ. وَقَدْ يَحْدُثُ، أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ، أَنْ تَتَغَيَّرَ الْقَصِيدَةُ نَفْسُهَا. يَبْدَأُ الشَّاعِرُ مِنْ فِكْرَةٍ مُحَدَّدَةٍ، ثُمَّ تَقُودُهُ اللُّغَةُ وَالْخَيَالُ وَالذَّاكِرَةُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ. يَبْدَأُ بِالْحَدِيثِ عَنِ الْغِيَابِ، فَإِذَا بِهِ يَكْتَشِفُ أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الزَّمَنِ. يَبْدَأُ مِنْ مَشْهَدِ حُبٍّ، فَإِذَا بِالْقَصِيدَةِ تَفْتَحُ بَابًا عَلَى الْوَحْدَةِ. يَبْدَأُ مِنْ جَمَالِ الطَّبِيعَةِ، فَإِذَا بِالطَّبِيعَةِ تُصْبِحُ مِرْآةً لِلذَّاتِ. وَهَذَا التَّحَوُّلُ لَيْسَ عَيْبًا فِي الْقَصِيدَةِ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ عَلَامَةً عَلَى أَنَّ النَّصَّ حَيٌّ. فَالْقَصِيدَةُ لَيْسَتْ تَقْرِيرًا يَكْتُبُ الشَّاعِرُ نَتِيجَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي جَانِبٍ مِنْهَا رِحْلَةُ اكْتِشَافٍ. وَالشَّاعِرُ أَثْنَاءَ كِتَابَتِهَا قَدْ يَكْتَشِفُ شَيْئًا عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، وَقَدْ تَعْثُرُ الْقَصِيدَةُ عَلَى مَعْنَاهَا فِي الطَّرِيقِ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الشَّاعِرَ لَا يَكْتُبُ دَائِمًا لِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ، بَلْ قَدْ يَكْتُبُ أَحْيَانًا لِكَيْ يَعْرِفَ مَا الَّذِي يُرِيدُ قَوْلَهُ. وَلَعَلَّ هَذَا يُفَسِّرُ لِمَاذَا تَتَفَاوَتُ لَحَظَاتُ الْكِتَابَةِ بَيْنَ شَاعِرٍ وَآخَرَ، بَلْ دَاخِلَ تَجْرِبَةِ الشَّاعِرِ الْوَاحِدِ نَفْسِهِ. قَدْ تَأْتِي قَصِيدَةٌ كَامِلَةٌ فِي جَلْسَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ تَحْتَاجُ أُخْرَى إِلَى أَسَابِيعَ أَوْ أَشْهُرٍ. وَقَدْ تَكُونُ قَصِيدَةٌ مَا وَلِيدَةَ انْفِعَالٍ طَارِئٍ، بَيْنَمَا تَنْضُجُ أُخْرَى بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، كَأَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَمِرُ فِي الْأَعْمَاقِ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، ثُمَّ وَجَدَتْ أَخِيرًا لَحْظَتَهَا الْمُنَاسِبَةَ لِلْخُرُوجِ. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْقَصِيدَةَ قَدْ تَبْدَأُ قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَهَا الشَّاعِرُ بِوَقْتٍ طَوِيلٍ. قَدْ تَكُونُ قَدْ بَدَأَتْ فِي مَوْقِفٍ نَسِيَهُ، أَوْ فِي حُزْنٍ لَمْ يُعْطِهِ اسْمَهُ، أَوْ فِي فَرَحٍ لَمْ يَكْتَمِلْ، أَوْ فِي صُورَةٍ بَقِيَتْ عَالِقَةً فِي الذَّاكِرَةِ دُونَ تَفْسِيرٍ. ثُمَّ تَأْتِي لَحْظَةُ الْكِتَابَةِ فَتَجْمَعُ الْخُيُوطَ الْمُتَنَاثِرَةَ، وَتَمْنَحُهَا شَكْلًا لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا فِي السَّابِقِ. لِذَلِكَ أَجِدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْقَصِيدَةَ «تُولَدُ» أَكْثَرُ دِقَّةً مِنَ الْقَوْلِ إِنَّهَا «تُكْتَبُ» فَقَطْ. إِنَّهَا تُولَدُ مِنْ تَفَاعُلِ الإِنْسَانِ مَعَ الْعَالَمِ، وَمِنِ احْتِكَاكِ الذَّاتِ بِالْآخَرِ، وَمِنِ اصْطِدَامِ الذَّاكِرَةِ بِالْحَاضِرِ، وَمِنْ تَدَاخُلِ الْحِسِّ بِالْجَمَالِ، وَالْأَلَمِ بِالْأَمَلِ، وَالْوَاقِعِ بِالْخَيَالِ. ثُمَّ تَأْتِي اللُّغَةُ لِتَمْنَحَ هَذَا التَّفَاعُلَ جَسَدَهُ الْمَرْئِيَّ. وَفِي النِّهَايَةِ، لَا يَبْقَى مِنَ الْوَمْضَةِ الْأُولَى إِلَّا أَثَرُهَا، لَكِنَّ هَذَا الْأَثَرَ يَكُونُ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ: إِلَى صُورَةٍ، ثُمَّ إِلَى إِحْسَاسٍ، ثُمَّ إِلَى مَعْنًى، ثُمَّ إِلَى لُغَةٍ، ثُمَّ إِلَى قَصِيدَةٍ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَادِرَ صَاحِبَهَا وَتَذْهَبَ إِلَى قَارِئٍ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ اللَّحْظَةِ الَّتِي وُلِدَتْ فِيهَا. وَهُنَا تَبْلُغُ الْقَصِيدَةُ غَايَتَهَا الْأَبْعَدَ. فَالشَّاعِرُ يَبْدَؤُهَا مِنْ تَجْرِبَتِهِ الْخَاصَّةِ، لَكِنَّ نَجَاحَهَا الْحَقِيقِيَّ يَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى أَنْ تَجِدَ طَرِيقًا إِلَى تَجْرِبَةِ إِنْسَانٍ آخَرَ. أَنْ يَرَى الْقَارِئُ فِي حُزْنِ الشَّاعِرِ شَيْئًا مِنْ حُزْنِهِ، وَفِي فَرَحِهِ شَيْئًا مِنْ فَرَحِهِ، وَفِي وَحْدَتِهِ شَيْئًا مِنْ وَحْدَتِهِ، وَأَنْ يَشْعُرَ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ، أَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي كَتَبَهَا شَاعِرٌ بِعَيْنِهِ قَدْ لَامَسَتْ شَيْئًا مُشْتَرَكًا فِي الرُّوحِ الإِنْسَانِيَّةِ. عِنْدَئِذٍ لَا تَعُودُ الْقَصِيدَةُ مِلْكًا لِمَنْ كَتَبَهَا وَحْدَهُ. لَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ خُصُوصِيَّةِ التَّجْرِبَةِ إِلَى رَحَابَةِ الإِنْسَانِ. وَهَكَذَا أَرَى أَنَّ الْقَصِيدَةَ تَبْدَأُ بِشَرَارَةٍ، وَتَعِيشُ فِي الإِحْسَاسِ، وَتَتَّسِعُ بِالْخَيَالِ، وَتَتَشَكَّلُ بِاللُّغَةِ، وَتَهْتَدِي بِالْوَعْيِ، وَتَنْضُجُ بِالْمَسَافَةِ، ثُمَّ تَكْتَمِلُ حِينَ تَجِدُ قَارِئًا يَرَى فِيهَا شَيْئًا مِنْ نَفْسِهِ. أَمَّا الشَّاعِرُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَائِمًا أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْقَصِيدَةِ بَحْثًا مُبَاشِرًا؛ يَكْفِي أَحْيَانًا أَنْ يَكُونَ يَقِظًا لِلَّحْظَةِ الَّتِي تَمُرُّ أَمَامَهُ، وَأَنْ يُصْغِيَ جَيِّدًا لِذَلِكَ الْبَرِيقِ الْخَافِتِ الَّذِي يَظْهَرُ فَجْأَةً فِي أَعْمَاقِهِ. فَرُبَّمَا كَانَتِ الْقَصِيدَةُ كُلُّهَا هُنَاكَ، فِي تِلْكَ الْوَمْضَةِ الصَّغِيرَةِ. وَمَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تَنْطَفِئَ. فُؤَاد زَادِيكِي |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|