Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 09:23 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,333
افتراضي حين يتحول ماضي المرأة إلى محكمة لا تنتهي بقلم الباحث الاجتماعي فؤاد زاديكي في كثير

حين يتحول ماضي المرأة إلى محكمة لا تنتهي

بقلم الباحث الاجتماعي فؤاد زاديكي

في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولا سيما في البيئات الشرقية المحافظة، لا تنتهي علاقة المرأة العاطفية بانتهائها، ولا تنتهي خطوبتها بفسخها، ولا ينتهي زواجها بانفصالها؛ فثمة شيء آخر يبقى بعدها طويلًا، وربما إلى الأبد: نظرة المجتمع إليها. وكأن المرأة لا يحق لها أن تعيش تجربة إنسانية وتنتهي منها، بل يُطلب منها أن تحمل آثارها فوق ظهرها، وأن تظل تبررها وتدافع عن نفسها بسببها، بينما يستطيع الرجل، في كثير من الأحيان، أن يطوي الصفحة ويبدأ صفحة جديدة وكأن شيئًا لم يكن.

هذه الازدواجية ليست تفصيلًا اجتماعيًا عابرًا، وإنما هي صورة من صور اختلال ميزان الحكم الأخلاقي بين الرجل والمرأة. فالفتاة التي مرت بعلاقة عاطفية فاشلة قد تجد نفسها فجأة موضع ريبة، وكأن مجرد وقوعها في الحب أصبح تهمة، وكأن فشل العلاقة دليل على خلل فيها. وإذا دخلت في خطوبة ثم انتهت هذه الخطوبة قبل الزواج، فإن السؤال لا يكون دائمًا: لماذا لم ينسجم الطرفان؟ بل قد يتحول إلى سؤال آخر أكثر قسوة: ماذا فعلت الفتاة؟ وما الخطأ الذي ارتكبته؟ ولماذا تركها؟ وهل كانت هناك مشكلة فيها؟

وقد لا تتوقف المسألة عند حدود السؤال، بل قد تتحول إلى شائعة، ثم إلى حكم، ثم إلى وصمة يصعب التخلص منها. وفي الوقت الذي يستطيع فيه الشاب الذي عاش التجربة نفسها أن يبدأ علاقة جديدة، وربما أن يتقدم إلى فتاة أخرى دون أن يواجه القدر نفسه من التدقيق، تجد المرأة نفسها مضطرة إلى حمل تاريخها معها أينما ذهبت، وكأن المجتمع قد منح الرجل حق النسيان، بينما حرم المرأة منه.

لكن إذا كان هذا الوضع ظالمًا للفتاة التي مرت بتجربة عاطفية أو خطوبة فاشلة، فإنه يصبح أشد قسوة حين يتعلق الأمر بالمرأة المطلقة. فالطلاق، الذي يفترض أن يكون نهاية لعلاقة زوجية لم تعد قابلة للاستمرار، يتحول في بعض البيئات إلى علامة اجتماعية تلتصق بالمرأة أكثر مما ينبغي، بل قد تتحول إلى عدسة ينظر المجتمع من خلالها إلى كل تصرفاتها اللاحقة.

فالمطلقة قد تجد نفسها فجأة تحت مجهر لا يرحم. خروجها يُسأل عنه، وعلاقاتها تُراقب، وكلماتها تُفسر، وصداقاتها تُفحص، وتواصلها مع الآخرين قد يتحول إلى مادة للتأويل. وقد لا تحتاج إلى أن ترتكب أي خطأ حتى تبدأ الشكوك؛ يكفي أحيانًا أنها مطلقة لكي يصبح سلوكها العادي محل تساؤل.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات الاجتماعية إيلامًا: الرجل المطلق يستطيع في الغالب أن يستأنف حياته الاجتماعية والعاطفية بدرجة أكبر من الحرية، بينما قد تشعر المرأة المطلقة أن عليها أن تعيش وكأنها تحت امتحان دائم، وأن تثبت للآخرين في كل لحظة أنها ما زالت جديرة بالاحترام. وكأن الطلاق عند الرجل حادثة في سيرته، بينما يتحول عند المرأة إلى تعريف لهويتها.

أي منطق اجتماعي هذا؟

إذا كان الزواج علاقة بين شخصين، فلماذا تتحمل المرأة وحدها وزر فشله؟ وإذا كان الطلاق قرارًا قد يصل إليه طرفان لأسباب عديدة، فلماذا يصبح عنوانًا أخلاقيًا للمرأة؟ وإذا كان الرجل يستطيع أن يتعلم من تجربته السابقة وأن يبدأ من جديد، فلماذا تُحرم المرأة من الحق نفسه؟

إن انتهاء الزواج لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين سيئ أو أن الآخر بريء. وقد تكون أسباب الانفصال كثيرة ومتداخلة: عدم التوافق، اختلاف الطباع والأهداف، المشكلات الاقتصادية، تدخل العائلتين، العنف، الخيانة، أو غير ذلك من الأسباب التي لا يمكن اختزالها في حكم واحد. بل إن بعض الزيجات تستمر رغم فشلها لأن المجتمع يخشى كلمة «طلاق» أكثر مما يخشى حياة زوجية مؤذية، وهذه مفارقة أخرى تستحق التأمل.

وليس المقصود هنا أن كل علاقة سابقة صحيحة، أو أن كل شخص خرج من علاقة بلا مسؤولية أو أخطاء. الإنسان قد يخطئ، والرجل قد يخطئ، والمرأة قد تخطئ. لكن الخطأ يجب أن يبقى خطأً، لا أن يتحول إلى هوية، ولا أن يتحول خطأ المرأة إلى وصمة أبدية بينما يُعامل الخطأ نفسه عند الرجل بوصفه تجربة من تجارب الحياة.

إن الإنسان يتغير. وهذه حقيقة ينبغي أن تكون في صميم نظرتنا الاجتماعية. قد تدخل امرأة زواجًا وهي في العشرين من عمرها، ثم تخرج منه بعد سنوات وقد أصبحت أكثر وعيًا ونضجًا وخبرة. فهل من العدل أن يظل المجتمع يتعامل معها بعد ذلك وكأنها المرأة نفسها التي دخلت الزواج قبل سنوات؟ وهل ينبغي أن يكون ماضيها قيدًا دائمًا على حاضرها ومستقبلها؟

الأشد خطورة من كلام الناس أن تتحول نظرة المجتمع إلى صوت داخلي يسكن المرأة نفسها. تبدأ بمراقبة حركاتها، وتعيد التفكير في كل كلمة، وتتردد في تكوين صداقات، وتخشى الظهور في الأماكن العامة، وتخاف من أن تُرى مع شخص ما، وربما تحرم نفسها من فرص العمل أو الحياة الاجتماعية أو الزواج الجديد حتى لا يقال عنها شيء.

عند هذه النقطة لا يعود المجتمع مجرد مراقب خارجي، بل يصبح شريكًا في صناعة السجن النفسي.

وهنا ينبغي أن نفرق بوضوح بين النصيحة والحماية من جهة، والوصاية والرقابة من جهة أخرى. فمن الطبيعي أن يخشى الأهل على ابنتهم أو أختهم أو قريبتهم من الاستغلال أو من علاقة مؤذية، لكن الخوف عليها لا يعطي أحدًا الحق في مصادرة حياتها أو التعامل معها باعتبارها متهمة لمجرد أنها مطلقة.

كما أن احترام المرأة لنفسها لا ينبغي أن يعني أن تعيش وفقًا لمعادلة: «ماذا سيقول الناس؟». فالناس لن يتوقفوا عن الكلام، مهما فعل الإنسان. وإذا جعلت المرأة حياتها مشروعًا دائمًا لإرضاء المجتمع، فلن تستطيع أن تعيش حياتها أصلًا.

وفي المقابل، لا ينبغي أن نفهم الدفاع عن حق المرأة في حياة طبيعية على أنه دعوة إلى إلغاء المسؤولية الأخلاقية. فالرجل والمرأة كلاهما مسؤول عن تصرفاته، وكلاهما مطالب باحترام الآخر، وكلاهما مطالب بالصدق والوفاء وعدم استغلال الآخرين. لكن المسؤولية الأخلاقية شيء، وتحويل جنس الإنسان إلى معيار للحكم عليه شيء آخر.

وفي موضوع الزواج تحديدًا، من حق الرجل الذي يريد الزواج من مطلقة أن يسأل عن الأمور التي تهم مستقبل الحياة الزوجية، كما أن من حق المرأة أن تسأل الرجل المطلق عن تجربته السابقة. لكن السؤال المحترم يختلف عن التحقيق، والاستفسار يختلف عن الإدانة، ومعرفة الماضي تختلف عن استخدامه كسلاح لإذلال الطرف الآخر.

والسؤال الأكثر عدلًا ليس: «هل سبق أن تزوجت؟» أو «هل سبق أن أحببت؟» أو «لماذا انتهت علاقتك؟» وإنما: من أنت الآن؟

هل أنت صادق؟ هل تتحمل المسؤولية؟ هل تعرف ماذا تريد؟ هل تحترم شريكك؟ هل تعلمت من تجاربك السابقة؟ هل تستطيع أن تبني علاقة تقوم على الثقة والاحترام؟

هذه الأسئلة تصلح للرجل والمرأة معًا، ولا ينبغي أن يكون لها جنس.

إن المشكلة الحقيقية ليست في أن تكون للمرأة حياة سابقة، وإنما في أن المجتمع يصر أحيانًا على تحويل تلك الحياة السابقة إلى محكمة لا تنتهي. محكمة لا تحتاج إلى قاضٍ ولا إلى محامٍ ولا إلى أدلة؛ يكفي فيها أن تكون المرأة مطلقة، أو أن تكون قد أحبت، أو أن تكون خطوبتها قد انتهت، حتى تبدأ الأحكام.

وما نحتاج إليه ليس مجتمعًا يتعلم كيف يخفي ماضي المرأة، وإنما مجتمعًا يتعلم كيف يفهم الماضي دون أن يستعمله لإلغاء الإنسان.

فالمرأة ليست مطالبة بأن تقضي بقية حياتها في الدفاع عن شرفها أمام كل من يعرف أنها مطلقة، ولا ينبغي أن يصبح الطلاق ختمًا اجتماعيًا يحدد قيمتها، كما لا ينبغي أن تصبح علاقة عاطفية فاشلة أو خطوبة لم تكتمل شهادة اتهام تلاحقها إلى الأبد.

إن من حق المرأة أن تبدأ من جديد.

من حقها أن تحب من جديد، وأن تتزوج من جديد، وأن تعمل، وأن تخرج، وأن تكوّن صداقات، وأن تضحك، وأن تخطط لمستقبلها، وأن تعيش حياتها دون أن تشعر بأنها مطالبة في كل لحظة بتقديم تفسير لوجودها.

والأهم من ذلك كله أن الرجل ليس بحاجة إلى أن يخسر حريته كي تحصل المرأة على حريتها؛ المطلوب هو أن نوسع معيار العدالة ليشمل الاثنين. فلا نريد مجتمعًا يساوي بين الرجل والمرأة عبر إنزال الرجل إلى مستوى القيود التي فُرضت على المرأة، وإنما مجتمعًا يرتفع فيه الاثنان إلى مستوى واحد من المسؤولية والاحترام والكرامة.

فالمرأة التي مرت بعلاقة فاشلة ليست «امرأة فاشلة»، والمخطوبة التي فسخت خطوبتها ليست «امرأة معيبة»، والمطلقة ليست «امرأة ناقصة». إنها إنسانة مرت بتجربة، وربما تألمت، وربما أخطأت، وربما تعلمت، وربما أصبحت بعد تجربتها أكثر نضجًا ووعيًا بنفسها وبالحياة.

إن المجتمعات التي تريد أن تحمي الأسرة عليها أولًا أن تتعلم احترام الإنسان. والأسرة لا تُبنى بالشك والمراقبة والوصم، وإنما بالثقة والمسؤولية والاختيار الحر والاحترام المتبادل.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: كيف نحافظ على سمعة المرأة؟ وإنما: كيف نبني مجتمعًا لا يجعل سمعة المرأة سجنًا لها؟

فحين يتوقف المجتمع عن محاكمة المرأة بسبب ماضيها، وحين تصبح الأخلاق معيارًا إنسانيًا لا معيارًا جنسيًا، وحين يُنظر إلى الطلاق باعتباره تجربة اجتماعية وإنسانية لا وصمة، عندها فقط يمكن للمرأة أن تخرج من ظل الماضي، لا لأنها أخفت شيئًا، وإنما لأن المجتمع تعلم أخيرًا أن الإنسان أكبر من حادثة في سيرته.

بقلم الباحث الاجتماعي فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:22 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke