Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم اليوم, 11:32 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,431
افتراضي الوجود العربي في الجزيرة السورية ومحافظة الحسكة خلال القرن العشرين: قراءة في التاريخ

الوجود العربي في الجزيرة السورية ومحافظة الحسكة خلال القرن العشرين: قراءة في التاريخ السكاني والتحولات الاجتماعية

الباحث السوري فؤاد زاديكي

إن دراسة الوجود العربي في الجزيرة السورية، ولا سيما في محافظة الحسكة، تقتضي العودة إلى التاريخ السكاني والاجتماعي للمنطقة، بعيداً عن الأحكام القومية المسبقة والروايات التي تختزل تاريخها في موجة هجرة واحدة أو تربط هوية سكانها بتاريخ تأسيس مدنها الحديثة. فالجزيرة السورية، الممتدة بين نهري دجلة والفرات، لم تكن عبر تاريخها فضاءً خالياً من السكان، كما لم تكن موطناً لجماعة قومية واحدة، وإنما شكلت مجالاً جغرافياً تتداخل فيه المجتمعات الزراعية والقبائل الرعوية والتجمعات الحضرية، وتتعاقب فيه عمليات الاستقرار والتنقل والهجرة بفعل الظروف السياسية والاقتصادية والمناخية.

إن الوجود العربي في هذه المنطقة لا يمكن اعتباره ظاهرة مستحدثة ظهرت مع تأسيس مدن الحسكة والقامشلي في القرن العشرين، إذ إن القبائل العربية كانت حاضرة في المجال الجغرافي للجزيرة السورية قبل قيام هذه المدن الحديثة بوقت طويل. وقد ارتبط وجودها بالبادية والسهول الزراعية وحوض الخابور، وبالمناطق الممتدة نحو دير الزور والرقة والموصل ونصيبين. وكانت حركة القبائل العربية عبر هذه المناطق جزءاً من طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المشرق، حيث لم تكن الحدود السياسية الحديثة قائمة بالصورة التي نعرفها اليوم. غير أن إثبات الوجود العربي القديم في الإقليم لا يعني بالضرورة أن كل عائلة عربية معاصرة في الحسكة تنحدر من سكان الموقع نفسه منذ قرون، كما أن انتقال بعض العائلات العربية في مراحل لاحقة لا يجعل جميع العرب في المنطقة وافدين حديثاً.

وعند الانتقال إلى مستوى المدن والقرى، يتضح أن تاريخ الحسكة يختلف عن تاريخ القامشلي، وأن تاريخ ديريك ورأس العين يختلف بدوره عن تاريخ عامودا والدرباسية. فمدينة الحسكة الحديثة تشكلت خلال العقود الأولى من القرن العشرين، في منطقة كان محيطها الريفي والقبلي مأهولاً قبل ظهورها بصورتها الحضرية. وقد ساهمت الإدارة الفرنسية في تطوير مركزها الإداري والعسكري، ثم اتسع عمرانها مع نمو الزراعة والتجارة واستقرار العائلات من مناطق مختلفة. وكان العرب موجودين في محيط الحسكة من خلال القبائل والقرى الزراعية، كما استقر فيها عرب قدموا من مناطق الفرات والبادية السورية خلال مراحل التوسع الاقتصادي. وفي الوقت ذاته، استقرت فيها جماعات كردية وسريانية وآشورية وأرمنية وغيرها، الأمر الذي جعل المدينة تتشكل تدريجياً بوصفها مركزاً متعدد المكونات.

أما القامشلي، فقد تأسست مدينتها الحديثة عام 1926، في سياق التحولات التي أعقبت ترسيم الحدود السورية التركية وانفصال نصيبين عن الجانب السوري. وقد أصبحت القامشلي مركزاً تجارياً وإدارياً جديداً، واستقطبت سكاناً من المناطق المجاورة، ومن بينهم سريان وأكراد وأرمن وعرب وغيرهم. ومن الضروري هنا التمييز بين تاريخ تأسيس المدينة وبين تاريخ الوجود العربي في محيطها؛ فالتأسيس الحديث للقامشلي لا يعني أن المنطقة المحيطة بها كانت خالية من القبائل العربية قبل ذلك، كما لا يعني أن جميع سكانها الذين استقروا فيها خلال القرن العشرين قدموا من خارج الجزيرة السورية. وقد ارتبط نمو القامشلي بالتجارة والزراعة والحدود، وازداد حضور العائلات العربية فيها مع توسع النشاط الاقتصادي وانتقال السكان من القرى والأرياف إلى المدينة.

وفي ديريك، المعروفة اليوم بالمالكية، تتداخل عوامل الاستقرار الريفي والقبلي مع نشوء المركز المديني الحديث. فالمنطقة الواقعة في أقصى شمال شرق سورية، قرب الحدود التركية والعراقية، كانت مرتبطة تاريخياً بحركة القبائل العربية والكردية وبالمجتمعات الزراعية. ولم يكن الوجود العربي فيها محصوراً بمرحلة تأسيس المدينة الحديثة، بل ارتبط أيضاً بالمحيط الريفي والسهول والطرق التي استخدمتها القبائل في التنقل والاستقرار. ومع نمو المركز الإداري والتجاري، انتقلت عائلات من خلفيات متعددة إلى البلدة، وأصبح سكانها نتاجاً لتراكم تاريخي من الاستقرار والهجرة والتداخل الاجتماعي. ولذلك لا يمكن تحديد تاريخ واحد لوصول العرب إلى ديريك، بل ينبغي التمييز بين الوجود القبلي في محيطها وبين استقرار العائلات داخل مركزها الحضري.

وتتميز رأس العين بتاريخ أكثر عمقاً من ناحية الاستيطان البشري، نظراً إلى ارتباطها بمنابع الخابور والمواقع الأثرية القديمة. وقد عرفت المنطقة عبر تاريخها جماعات زراعية ورعوية متعددة، وكان للعرب حضور قبلي وريفي في محيطها، إلى جانب الأكراد والسريان والآشوريين وغيرهم. ومع تطور الحدود الحديثة ونمو التجارة والزراعة، شهدت رأس العين تغيرات في تركيبها السكاني، كما توسع مركزها العمراني خلال القرن العشرين. ومن الخطأ اعتبار تاريخ المدينة الحديثة دليلاً على بداية الوجود العربي في المنطقة، أو اعتبار وجود جماعة سكانية في مرحلة تاريخية معينة دليلاً على انفرادها بالمنطقة دون غيرها.

أما عامودا والدرباسية، فقد ارتبطتا بصورة أوضح بالبيئة الريفية والزراعية في شمال الجزيرة السورية، حيث كان الاستقرار القروي سابقاً على بعض مراحل التوسع الحضري الحديث. وقد تميزت عامودا بحضور كردي بارز في تاريخها الاجتماعي، مع وجود جماعات عربية في محيطها الريفي والقبلي. وكذلك الدرباسية، التي تشكلت ضمن المجال الحدودي والزراعي للجزيرة، حيث تداخل الوجود العربي والكردي عبر القرى والسهول والمصالح الزراعية. ولا يمكن تعميم التركيبة السكانية لمدينة بعينها على كامل محيطها، لأن بعض القرى كانت ذات غالبية عربية، بينما كانت قرى أخرى ذات غالبية كردية أو سريانية، وكانت الحدود بين هذه المجتمعات تتشكل بفعل الجوار والتجارة والعمل الزراعي والزواج والتنقل.

وفيما يتعلق بقرى الخابور والمناطق الريفية المحيطة بالحسكة، فإن الوجود العربي كان مرتبطاً بصورة وثيقة بالقبائل التي استقرت في المنطقة أو استخدمتها للرعي والتنقل، ومنها الجبور وشمر وطيء والبكارة والشرابين وغيرها من القبائل والفروع العشائرية. وقد تفاوتت أنماط استقرار هذه القبائل بين الرعي الموسمي والاستقرار الزراعي الدائم. ولا ينبغي التعامل مع أسماء القبائل بوصفها دليلاً على أن جميع أفرادها سكنوا الموقع نفسه في الفترة نفسها، إذ إن القبائل العربية كانت تضم فروعاً متعددة، وقد توزعت عبر مناطق واسعة من الجزيرة السورية والعراق والبادية.

وقد شكلت الفترة الواقعة بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن العشرين مرحلة حاسمة في تعزيز الاستقرار السكاني في محافظة الحسكة. فمع توسع زراعة القمح والقطن، واستصلاح الأراضي، وزيادة الطلب على العمالة الزراعية، بدأت حركة انتقال واسعة من مناطق سورية مختلفة نحو الجزيرة. وانتقل بعض المزارعين والعمال والتجار من دير الزور والرقة ومناطق أخرى إلى الحسكة ورأس العين والقامشلي والقرى المحيطة بها. كما تحولت بعض القبائل العربية من نمط الحياة الرعوي إلى الاستقرار الزراعي، وظهرت قرى جديدة أو توسعت قرى قائمة. وقد ساهمت هذه التحولات في زيادة الوجود العربي في الريف والمدن، لكنها لم تكن عملية عربية خالصة، إذ شملت أيضاً جماعات كردية ومسيحية وسكاناً محليين آخرين.

ومن المهم كذلك فهم أن التحولات السكانية في الجزيرة السورية لم تكن مقتصرة على العرب. فقد شهدت المنطقة، خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى، انتقال جماعات من الأناضول ومناطق الحدود التركية إلى سورية، ومن بينها أكراد وسريان وآشوريون وأرمن. وقد أسهمت هذه الهجرات في تشكيل التركيبة السكانية للمدن والقرى الحديثة. وكان انهيار الدولة العثمانية وترسيم الحدود الجديدة من العوامل التي غيرت طبيعة الحركة السكانية، إذ أصبحت بعض المناطق التي كانت مترابطة اجتماعياً واقتصادياً مقسمة بين دول حديثة.

وفي ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، دخلت الدولة السورية بصورة أكبر في تنظيم الأراضي والسكان من خلال الإصلاح الزراعي والسياسات القومية والإدارية. وقد شهدت محافظة الحسكة خلال هذه المرحلة تحولات في ملكية الأراضي وعلاقات العمل الزراعي. ومن أبرز الأحداث الديموغرافية والسياسية مشروع الحزام العربي، الذي ارتبط بنقل عائلات عربية متضررة من غمر الأراضي الزراعية في منطقة الفرات بعد بناء سد الفرات، وإسكانها في مناطق من محافظة الحسكة، وخاصة في بعض المواقع القريبة من الحدود التركية. وقد كان لهذا المشروع أثر واضح في مناطق محددة، وأثار اعتراضات واسعة بسبب ارتباطه بالسياسات القومية للدولة السورية تجاه الأكراد. ومع ذلك، فإن وجود هذه العائلات يمثل مرحلة من مراحل الاستقرار العربي في الحسكة، ولا يمكن اعتباره أصل الوجود العربي في المحافظة، الذي سبق المشروع بعقود طويلة.

وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين، استمر التوسع السكاني في الحسكة والقامشلي وديريك ورأس العين والدرباسية وغيرها، بفعل نمو المؤسسات الحكومية والزراعة والتجارة وانتقال السكان من الريف إلى المدن. وأصبحت التركيبة السكانية أكثر تعقيداً، نتيجة التداخل بين السكان المحليين والعائلات التي انتقلت من مناطق سورية أخرى، وبين الجماعات التي استقرت في المنطقة خلال فترات مختلفة. ومن هنا، فإن محاولة تصنيف جميع العرب في محافظة الحسكة ضمن فئة واحدة، سواء باعتبارهم سكاناً أصليين جميعاً أو مهاجرين جميعاً، لا تستند إلى قراءة تاريخية دقيقة.

إن السؤال عن السكان الأصليين في الجزيرة السورية ينبغي أن يُطرح على مستوى المواقع والقرى والعائلات، مع تحديد الفترة الزمنية المقصودة. فوجود قبيلة عربية في المجال الجغرافي للجزيرة منذ قرون لا يعني أنها كانت تسكن جميع المدن الحالية، كما أن تأسيس مدينة حديثة لا يعني أن جميع سكانها كانوا وافدين بعد تاريخ تأسيسها. وقد يكون بعض العرب في الحسكة منحدرين من جماعات استقرت في المنطقة منذ العهد العثماني أو قبله، بينما تكون عائلات أخرى قد وصلت خلال الانتداب الفرنسي أو التوسع الزراعي في الأربعينيات والخمسينيات، أو ضمن عمليات نقل السكان في السبعينيات، أو في مراحل لاحقة.

وعليه، فإن تاريخ الوجود العربي في محافظة الحسكة هو تاريخ متعدد المراحل، يجمع بين الحضور القبلي القديم، والاستقرار الريفي، والهجرة الاقتصادية، ونشوء المدن الحديثة، والسياسات الحكومية التي أثرت في التركيبة السكانية. ولا يمكن فهم هذا التاريخ بمعزل عن الوجود الكردي والسرياني والآشوري والأرمني وغيره من المكونات التي ساهمت في تشكيل المجتمع الجزراوي. فالجزيرة السورية ليست نتاج جماعة واحدة، وإنما هي منطقة تشكلت هويتها الاجتماعية عبر قرون من التفاعل والتعايش والتنافس والتحولات السياسية والاقتصادية.

إن القراءة التاريخية المنصفة لا تنفي الوجود العربي القديم في الجزيرة السورية، ولا تنكر الهجرات العربية التي حدثت خلال القرن العشرين، بل تضع كل مرحلة في سياقها الصحيح. كما أنها لا تستخدم تاريخ تأسيس المدن أو حركة القبائل لتجريد أي مكون من حقه في الانتماء إلى المنطقة. فالتاريخ السكاني للجزيرة السورية أكثر تعقيداً من الروايات التي تحاول اختزاله في أصل واحد أو موجة هجرة واحدة، وهو يستحق دراسة علمية دقيقة تعتمد على الوثائق العثمانية والفرنسية والسجلات العقارية والإحصاءات السكانية والروايات المحلية، على مستوى كل مدينة وقرية وناحية.

الباحث السوري فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:27 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke